حضرت يوم أمس الأول أمسية في فنون الريف أقيمت في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، أسعدني عدد الحضور الذي كاد يملأ قاعة المحاضرات التي تتسع لأكثر من مائتي شخص، جذبتني الأمسية بعنوانها التي تتناول فنون الريف التي أعشقها وتعزف على أوتار طفولتي، ما زالت ذاكرتي تردد في سمعي إيقاعات فنون النانا والدبرارت ولولاي وكثير من الفنون التي لا تزال أصداؤها تتردد في تجاويف طفولتي؛ ما زلت أتذكر كيف كنت أسهر وأغالب النوم عندما كنت طفلا لكي أستمع إلى مرادات الشاعرين مسلم بهيد (بر محاضاف) والمرحوم أحمد علي سهيل المعشني (كرديح) كان الشاعران يتناظران من بعد صلاة العشاء حتى أوقات متأخرة من الليل حيث يغلبني النوم بينما يتابع الرجلان شدوهما بحماس محاطين بالمعجبين الذين يرددون بعد كل مقطع كلمة (عارقورن) أي سلمتما. ثم ما يلبث الشاعران أن يستأنفا النانا وسط الطبيعة الخلابة، التي تزدان بسمائها المرصعة بالنجوم والكواكب وأرضها الجميلة التي تزدان بالأشجار والإبل ومفردات الطبيعة الأخرى، كانت الحياة يومئذ تعزف سيمفونية يتعانق فيها كل شيء؛ أشعر بمتعة لذيذة.كانت الطبيعة في تلك الأيام هي كل شيء، أينما أنظر أو أصغي أو أسير أجدني جزءًا من تلك الطبيعة الخلابة فتزيدها رومانسية وشاعرية، لم أكن أعرف شيئًا عن معاني تلك القصائد التي يشحنها الشاعران بمعانٍ سياسية وكلمات لا تخلو من تقييم الأوضاع والتنبؤ بما قد يحدث، كنت أصغي بكل عشق إلى تلك الإيقاعات الفريدة لفن النانا الذي يصدح به الجباليون في مختلف المواسم، ويتخذون من الكهوف والوديان والأشجار وصوت الرياح وحنين الإبل وثغاء الغنم وزقزقة الطيور وحفيف أوراق الأشجار وكل شيء في الطبيعة؛ أدوات ومزامير تخرج منها إيقاعات غزل أو مناجاة أو دعاء أو استعطاف.مرت فترة الطفولة والشباب وأنا منهمك في التعليم وقراءة الأدب والفكر باللغة العربية ولم أكن ألتفت مطلقا إلى تلك الفنون الساحرة التي بدأت تستهويني وتطربني على كبر إلى درجة يستغرب منها أبنائي وأصدقائي عندما يلاحظونني أشغل مقاطع النانا والدبرارت في محرك التشغيل في سيارتي وفي هاتفي، أشعر أن الطفل يخرج من أعماقي ويعيد إلى سمعي تلك الألحان وتلك المفردات، وأشعر بالتصاقي بها، هذا ما حرك حماسي لحضور تلك الأمسية التي أقيمت منذ يومين، ومن حسن الحظ أن أغلب المشاركين فيها هم من الشباب ممن ولدوا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين.كنت أظن أن الأجيال الشابة لن تستهويهم فنون الريف لصعوبتها ولانشغال الشباب بتكنولوجيا المتعة والمحتوى الرقمي فإذا بهؤلاء الشباب يوظفون وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم النانا والفنون الريفية في أجمل وأبهى مستوى من الجودة. بدأ أحدهم يتحدث بلغة عربية ركيكة، ولكنه ما أن طلب منه مقدم الأمسية أن يقدم مقطعا من النانا حتى تحول إلى بلبل يشدو بصوت جميل بأغنية نانا جذب إيقاعها إعجاب الحضور ورحلت معها إلى الزمن السحيق، وطفت معها بالوديان والكهوف وعشت معها حياة سبقت حياتي بآلاف السنين. تعاقب المنشدون والشعراء يؤدون ما جادت به مواهبهم من قصائد نانا طرب لها الحضور. شكرت لمجلس إشراقات تنظيم مثل هذه الأمسيات التي تحيي الفن الريفي بأنواعه المختلفة، وفرحت كثيرًا أن أرى حرص واهتمام وجهود ومثابرة هؤلاء الشباب للحفاظ على هذه الفنون والموروثات وتجديدها وتوثيقها وعرضها بهذا الإبداع.* د. أحمد بن علي المعشني رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية