بدأت الناس في الغرب تفيق مع حملات التعبئة والدعائية السياسية بأن بوتين هو المسؤول عن معاناتها وليس سياسييها وحكامها. وجاءت أرباح الشركات المضاعفة في الأسابيع الأخيرة لتزيد من الغضب الجماهيري، ليس على بوتين بل على الشركات والحكومات.عادة لا يهتم الجمهور العادي بموسم إفصاح الشركات عن بياناتها المالية للأسواق كل ثلاثة أشهر (ربع سنة)، وتظل تلك أخبارا تهم رجال الأعمال والمستثمرين والمتعاملين في البورصات، وهم فئة قليلة مقارنة بالمليارات من سكان الأرض. لكن هذا الموسم لفت انتباه الناس العادية، ليس لأنهم أصبحوا فجأة مستثمرين أو متعاملين في البورصة، ولكن لسبب آخر هو ما أعلنته شركات الطاقة الكبرى حول العالم من عائدات وأرباح في الربع الثاني من العام. فقد تضاعفت عائدات وأرباح الطاقة مثل بريتيش بتروليوم وشل وغيرها أكثر من مرة، في الوقت الذي يعاني فيه الناس (في بريطانيا كمثال) من ارتفاع قيمة فواتير استهلاك الطاقة في المنازل حتى أن ما يزيد عن ثلث سكان بريطانيا أصبحوا في حالة “فقر طاقة”. ويعني ذلك عدم قدرتهم على دفع ثمن ما يحتاجونه من طاقة لبيوتهم للعيش والأكل.طبيعي أنه مع ارتفاع أسعار النفط والغاز والفحم أن تزيد عائدات وأرباح شركات الطاقة، وبالنسبة لمنطق السوق فإن المكاسب تعوض الخسائر في أوقات انخفاض الأسعار بشدة. لكن بالنسبة للجماهير التي ترى أن تلك الشركات تتربح من معاناتها ومأساتها فالأمر مختلف تماما. الناس ترى أن تلك الأرباح الهائلة، التي زادت ضعفين أو ثلاثة أضعاف وأحيانا ستة أضعاف، في الأشهر الأخيرة هي نتيجة جشع تلك الشركات واستغلال الظروف لزيادة الأسعار ومضاعفة عائداتها من جيوب المواطنين. حتى أن رئيس اتحاد النقابات في بريطانيا وصف أرباح شركة سنتريكا المالكة لبريتيش غاز بأنها “إهانة للجميع”، خصوصا وأن تلك الشركات لا ترفع أجور العاملين فيها في حال تحقيقها أرباحا هائلة بهذا الشكل مع أن العاملين هم السبب وراء ذلك النشاط والعائد.بالطبع، هناك الحجة المنطقية بأن الشركات لا بُدَّ وأن تربح وإلا فلن تتمكن من مواصلة الاستثمار وزيادة الإنتاج حتى لا يحدث نقص فيما تنتجه يجعل أسعار منتجها للمستهلك النهائي تتضاعف. لكن ذلك لم يعد يشكل فارقا لدى مئات ملايين الأُسر التي تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة وانهيار قيمة الأجور في ظل معدلات تضخم غير مسبوقة حول العالم منذ مطلع العام الماضي. تتردد الحكومات، خصوصا في الدول الرأسمالية، في زيادة الضرائب على أرباح الشركات لتمويل برامج مساعدات اجتماعية للأُسر الفقيرة كي تتمكن من مواجهة ارتفاع أعباء المعيشة؛ لأن ذلك سيجعل الشركات تحجم عن الاستثمار وبالتالي يتباطأ النمو الاقتصادي أكثر. كل ذلك يجعل الناس العادية ترى الحكومات “متواطئة” مع الشركات وأصحاب الأعمال والأثرياء في زيادة معاناتهم من أعباء تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار.رغم أن ذلك الوضع ليس بجديد، ويتكرر مع دورات الهبوط الاقتصادي، إلا أنه هذه المرة يختلف. فالناس لم تعد تتذكر أن أزمة وباء كورونا عام 2020 كانت سببا في هذا الوضع الاقتصادي المتردي حول العالم. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا والتوتر بين أميركا والصين ليفاقم تلك المشكلات الاقتصادية التي زادت الوضع سوءا. ويبدو أن لجوء السياسيين، خصوصا في دول الغرب، لإقناع الجماهير بأن روسيا هي السبب في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وبالتالي زيادة معاناة الأُسر في تلك المجتمعات لم تعد مجدية. فتصوير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أنه “الشرير الأكبر” المسؤول عن ارتفاع كلفة فواتير الطاقة للمنازل وتضاعف كلفة التسوق اليومي للأكل والشرب ربما انطلت على الناس في البداية. لكن الآن يزداد الوعي بأن بوتين لا يمكن أن يكون متحالفا مع الشركات الكبرى والأثرياء في بلاد الغرب كي يزدادوا ثراء بينما الناس العادية تزداد فقرا.فمعدلات التضخم بدأت في الارتفاع منذ مطلع العام الماضي، أي قبل حرب أوكرانيا بعام. وأسعار الطاقة والغذاء آخذة في الارتفاع منذ منتصف العام الماضي تقريبا. وإذا كانت الحكومات ألقت باللائمة في ذلك على تعطل سلاسل التوريد كإحدى تبعات فترات الإغلاق في فترة أزمة وباء كورونا، فإن كل تلك القيود رفعت الآن. ومرة أخرى لم يعد منطقيا أن يتم تحميل روسيا وبوتين مسؤولية هذا العناء الاقتصادي للمليارات من البشر حول العالم. ففي النهاية، لا يُمثِّل الاقتصاد الروسي كله سوى نسبة ضئيلة جدا من الاقتصاد العالمي. ولطالما سمع الناس وقرأوا أن روسيا لا تقترب اقتصاديا حتى من ألمانيا وبريطانيا، ناهيك عن الصين وأميركا. فحتى لو تم عزل روسيا تماما عن الاقتصاد العالمي لا يمكن منطقيا أن يؤدي ذلك إلى التأثير الاقتصادي الذي يعاني منه الناس حاليا. صحيح أن روسيا أكبر مصدر للغاز وللقمح والسماد في العالم، لكن الناس تحمل السياسيين في بلادها مسؤولية غياب تلك المنتجات بما يرفع الأسعار بهذا الشكل الجنوني. فإذا كانت الحكومات الغربية تعاقب روسيا، لماذا لم تحسب حساب تأثير ذلك على مواطنيها بالاستعداد لتوفير ما يمكن أن يغيب عن السوق العالمي حال حصار روسيا وخنقها بالعقوبات. بدأت الناس في الغرب تفيق مع حملات التعبئة والدعائية السياسية بأن بوتين هو المسؤول عن معاناتها وليس سياسييها وحكامها. وجاءت أرباح الشركات المضاعفة في الأسابيع الأخيرة لتزيد من الغضب الجماهيري، ليس على بوتين بل على الشركات والحكومات. وبدأت في بريطانيا مثلا حملة “لا تدفع” التي تحاول جمع ملايين المشاركين للإضراب عن دفع فواتير الطاقة للاستهلاك المنزلي بدءا من الشهر بعد القادم. د.أحمد مصطفى أحمدكاتب صحفي مصري[email protected]