أيها القارئ الكريم.. إننا بعد أيام قليلة نستقبل عامًا هجريًا جديدًا، والذي يذكرنا بمجيئه كل عام بحدث عظيم جلل، وهو هجرة المصطفى ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وقد حقَّ لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن يتخذ الهجرة النبوية المباركة اسمًا علمًا على كل عام قمري يمضي، فالهجرة هي التي تأسست على إثرها الدولة الإسلامية، وكان للمسلمين من بعدها قوة ومنعة من أعداء الله تعالى، على الرغم من أن الهجرة النبوية كانت امتحانًا قويًا وصعبًا لجميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ـ رجالًا وإناثًا ـ وخاصة النساء فقد ضربن مثلًا قويًا للتضحية والفداء، ولم يكن ذلك جليًا واضحًا من نساء المؤمنين المجاهدات الصابرات المهاجرات إلى ربهن في الهجرة فقط بل في كل المجالات، ومن يطلع على السيرة النبوية يجد الأمر على يخفى على كل ذي فهم وبصيرة وعين ناظرة، وعلى وجه الخصوص الهجرة من مكة إلى المدينة، بل إن النساء المؤمنات قد شاركن الرجال منذ أن طرأت فكرة الهجرة إلى أرض خصبة تنبت فيها شجرة الإسلام الطيبة، (فلما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه وما يصيبهم من البلاء والشدة، وأن الله تعالى قد أعفاه من ذلك، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم من قومهم، وأنه ليس في قومهم من يمنعهم كما منعه عمه أبو طالب، أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة، وقال لهم:إن بها ملكاً لا يظلم الناس ببلاده في أرض صدق فتحرزوا عنده يأتيكم الله عز وجل بفرج منه، ويجعل لي ولكم مخرجاً، فهاجر رجال من أصحابه إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفروا إلى الله عز وجل بدينهم، واستخفى آخرون بإسلامهم) (السير والمغازي لابن إسحاق، ص: 174).
وكان ممن هاجر في الهجرة الأولى إلى بلاد الحبشة (عثمان بن عفان معه امرأته رقية ابنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأبو حذيفة بن عتبة بن عبد شمس معه امرأته سهلة ابنة سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، ولدت هناك محمد بن أبي حذيفة)(سيرة ابن اسحاق .. السير والمغازي، ص: 176)، وكان ممن هاجرت من النساء أيضًا كما جاء في (سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/‏ 323): (وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية ابن محرث بن خمل بن شق بن رقبة بن مخدج الكناني، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة. قال ابن هشام: ويقال همينة بنت خلف. وقال ابن إسحاق: ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد،فتزوج أمة بعد ذلك الزبير بن العوام، فولدت له عمرو بن الزبير، وخالد بن الزبير. وعبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد، وأخوه عبيد الله ابن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، وقيس ابن عبد الله، رجل من بني أسد بن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار. وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة بن أقيش بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة. والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث ابن زهرة، معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. والحارث بن خالد بن صخر بن عامربن عمروبن كعب بن سعد بن تيم، معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث. وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبي سلمة، واسم أبي سلمة عبد الله، واسم أم سلمة: هند. وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وابناه: محمد بن حاطب، والحارث بن حاطب، وهما لبنت المجلل، وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح، معه ابناه جابر بن سفيان، وجنادة بن سفيان، ومعه امرأته حسنة،وعامر بن ربيعة، حليف لآل الخطاب، من عنز بن وائل، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة ابن غانم. وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد).
وجاء في كتاب (المغازي للواقدي 2/‏ 629): (عن أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَرْدَادَ الْوَلِيدِ قَالَ: مَا اتّخَذُوا الْوَلِيدَ إلّا حَنَانًا.وَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ قُرَشِيّةً خَرَجَتْ بَيْنَ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إلَى اللهِ إلّا أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، كَانَتْ تُحَدّثُ تَقُولُ: كُنْت أَخْرُجُ إلَى بَادِيَةٍ لَنَا بِهَا أَهْلِي فَأُقِيمُ فِيهِمْ الثّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ التّنْعِيمِ أَوْ قَالَتْ بِالْحِصْحَاصِ ثُمّ أَرْجِعُ إلَى أهلي فلا ينكرون ذهابي، حتى أجمعت السّيْرَ، فَخَرَجْت يَوْمًا مِنْ مَكّةَ كَأَنّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ الّتِي كُنْت فِيهَا، فَلَمّا رَجَعَ مَنْ تَبِعَنِي خَرَجْت حَتّى انْتَهَيْت إلَى الطّرِيقِ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَالَ:أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَقُلْت: حَاجَتِي، فَمَا مَسْأَلَتُك وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ. فَلَمّا ذَكَرَ خُزَاعَةَ اطْمَأْنَنْت إلَيْهِ، لِدُخُولِ خُزَاعَةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَقْدِهِ، فَقُلْت: إنّي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أُرِيدُ اللّحُوقَ بِرَسُولِ اللهِ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالطّرِيقِ. فَقَالَ: أَهْلُ اللّيْلِ وَالنّهَارِ، أَنَا صَاحِبُك حَتّى أُورِدَك الْمَدِينَةَ. ثُمّ جَاءَنِي بِبَعِيرٍ فَرَكِبْته، فَكَانَ يَقُودُ بِي الْبَعِيرَ، لَا وَاَللهِ مَا يُكَلّمُنِي كَلِمَةً، حَتّى إذَا أَنَاخَ الْبَعِيرَ تَنَحّى عَنّي، فَإِذَا نَزَلْت جَاءَ إلَى الْبَعِيرِ فَقَيّدَهُ فِي الشّجِرَةِ وَتَنَحّى عَنّي فِي الشّجَرَةِ، حَتّى إذَا كَانَ الرّوَاحُ جَذَعَ الْبَعِيرُ فَقَرّبَهُ وَوَلّى عَنّي، فَإِذَا رَكِبْته أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَرَاءَهُ حَتّى نَنْزِلُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا مِنْ صَاحِبٍ! فَكَانَتْ تَقُولُ: نِعْمَ الْحَيّ خُزَاعَةُ! قَالَتْ: فَدَخَلْت عَلَى أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَنَا مُنْتَقِبَةٌ فَمَا عَرَفْتنِي حَتّى انْتَسَبْت، وَكَشَفْت النّقَابَ فَالْتَزَمَتْنِي وَقَالَتْ: هَاجَرْت إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَرُدّنِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا رَدّ غَيْرِي مِنْ الرّجَالِ، أَبَا جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، وَأَبَا بِصَيْرٍ، وَحَالُ الرّجَالِ يَا أُمّ سَلَمَةَ لَيْسَ كَحَالِ النّسَاءِ، وَالْقَوْمُ مُصَبّحِي، قَدْ طَالَتْ غيبتي عنهم اليوم ثَمَانِيّةَ أَيّامٍ مُنْذُ فَارَقْتهمْ، فَهُمْ يَبْحَثُونَ قَدْرَ مَا كُنْت أَغِيبُ ثُمّ يَطْلُبُونَنِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدُونِي رَحَلُوا إلَيّ فَسَارُوا ثَلَاثًا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ خَبَرَ أُمّ كُلْثُومٍ، فَرَحّبَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالَتْ أُمّ كُلْثُومٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي فَرَرْت بِدِينِي إلَيْك فَامْنَعْنِي وَلَا تَرُدّنِي إلَيْهِمْ يَفْتِنُونِي وَيُعَذّبُونِي، فَلَا صَبْرَ لِي عَلَى الْعَذَابِ، إنّمَا أَنَا امْرَأَةٌ وَضَعْفُ النّسَاءِ إلَى مَا تَعْرِفُ، وَقَدْ رَأَيْتُك رَدَدْت رَجُلَيْنِ إلَى الْمُشْرِكِينَ حَتّى امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، وَأَنَا امْرَأَةٌ! فَقَالَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: أن اللهَ نَقَضَ الْعَهْدَ فِي النّسَاءِ. وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِنّ سورة الْمُمْتَحِنَة، وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِحُكْمٍ رَضَوْهُ كُلّهُمْ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَرُدّ مَنْ جَاءَ مِنْ الرّجَالِ، وَلَا يَرُدّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ النّسَاءِ. وَقَدِمَ أَخَوَاهَا مِنْ الْغَدِ، الْوَلِيدُ وَعُمَارَةُ ابْنَا عُقْبَةَ بْنِ أبى معيط، فقالا: يا محمّد، فلنا بشرطنا وَمَا عَاهَدْتنَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: قَدْ نَقَضَ اللهُ! فَانْصَرَفَا).. وللحديث بقية.

* محمود عدلي الشريف
[email protected]