محمد عبدالصادق
سلطنة عُمان ومصر.. دولتان وشعبان يملكان إرثا حضاريا عريقا، يعود إلى آلاف السنين، والعلاقات بينهما ليست وليدة العصر الحديث، بل علاقات تضرب في جذور التاريخ، حيث تمتد لأكثر من 3500 عام، فالتبادل التجاري بين أهل عُمان والمصريين القدماء، بدأ منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد، حيث كان يتم جلب اللبان العُماني الشهير الذي يستخدمه الكهنة داخل المعابد الفرعونية، من ظفار إلى مصر، بل إن الملكة المصرية حتشبسوت، زارت ظفار في رحلة تاريخية، سجلت تفاصيلها جدران المعابد الفرعونية.
في العصر الحديث، عندما أراد السلطان تيمور بن فيصل إصلاح النظام الجمركي وتحديث وتنظيم مؤسسة الجمارك العُمانية، استقطب مجموعة من الخبراء العرب للمساعدة في عملية الإدارة، وبرز من بينهم عدد من الموظفين المصريين الذين تعاقبوا على العمل في الجمارك العُمانية بفروعها المختلفة مثل: عبد السلام حسين غنام، وأحمد زكي عبده، وعبدالله أفندي مدير جمرك مسقط، وأحمد حمدي أفندي مدير جمارك مطرح، الذين جاءوا إلى عُمان في عشرينيات القرن الماضي، وبزغ نجم إسكندر حنا الذي أكمل مسيرة من سبقوه، ولعب دورا مهما في تحديث العمل بالجمارك العُمانية على مدى 40 عاما، حتى اضطر لمغادرة عُمان في العام 1960 لظروفه الصحية، وقد منحه السلطان تيمور بن فيصل نيشان الشرف السعيدي في مارس 1926م، تقديرا لجهوده في خدمة سلطنة عُمان.
أما عن العلاقات السياسية، فقد تفاعل أبناء عُمان مع أحداث ثورة يوليو 1952، وأحبوا قائدها جمال عبد الناصر، وأثناء العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956م، أعلنت عُمان وقوفها مع مصر، وانفجرت مشاعر الغضب في كافة أنحاء عُمان، وأبدى كثير من العُمانيين رغبتهم السفر إلى مصر للمشاركة في مقاومة العدوان.
وأخذت العلاقات العُمانية المصرية منحى عظيما، مع قيام النهضة المباركة وتولي جلالة السلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ مقاليد الحكم في العام 1970م وطوال 50 عاما ربطته علاقات وطيدة بالرؤساء المصريين.
ففي حرب أكتوبر 1973م كان لعُمان وقفة قوية مع مصر، وأطلق السلطان قابوس مبادرة للتبرع بربع رواتب الموظفين لدعم المجهود الحربي بمصر، وأرسل بعثتين طبيتين، لعلاج جرحى الحرب، وفي 24 نوفمبر 1973م نزل السلطان قابوس من طائرته الخاصة مرتديا الزي العسكري وكان في استقباله الرئيس السادات بالزي العسكري لغرفة عمليات أكتوبر، ليعلن وقوف عُمان قيادة وشعبا، مع مصر في مواجهة العدو الإسرائيلي.
وكان الموقف الذي لا ينسى لعُمان، عندما رفضت قطع علاقاتها مع مصر، بعد مبادرة كامب ديفيد في العام 1977م، وقال السلطان قابوس جملته الشهيرة: مصر لا تقاطع ولا تعزل ولا تموت بسبب مواقفها، وكان الحاكم العربي الوحيد الذي رفض قرارات قمة بغداد، التي تم فيها مقاطعة وحصار مصر سياسيا واقتصاديا، وأعلن احترامه التوجُّه المصري نحو السلام، مؤكدا أنه لا تدخل في السياسة ولا الإرادة المصرية في سعيها لتحقيق مصالحها، وأكد استمرار عُمان في تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لمصر في مواجهة المقاطعة العربية، التي انتهت في العام 1989م.
واحتفظ السلطان قابوس بعلاقات طيبة مع مصر، في عهد الرئيس حسني مبارك، وتعددت الزيارات للقاهرة ومسقط بين الزعيمين، وتطورت في كافة المجالات، وحرص المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس على دعم الأزهر الشريف في أداء رسالته الروحية والتعليمية، كما كانت له مساهماته وأياديه البيضاء في إنشاء مكتبة الإسكندرية، وربما كان الفنان المصري علي الحجار، آخر عربي يفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في العام 2019م.
وتأتي الزيارة التي يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لسلطنة عُمان، في ضيافة أخيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الراسخة بين البلدين والشعبين الشقيقين، وتفتح آفاقا رحبة لتعزيز التعاون في كافة المجالات، السياسية والاقتصادية، في ظل ظروف صعبة يمر بها العالم، تحتاج لحشد الجهود والموارد العربية، لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية التي تتربص بدول المنطقة.