يسمى فـي الموروث النقدي العربي «شعر الغزل»

أ.د. فليح مضحي أحمد السامرائي:
■ ■ يعد الفضاء الشعري معياراً أساساً لمقاربة النص الشعري ومعرفة طاقته الشعرية وحدود تأثيره في المشهد الشعري العربي، وعلى الرغم من أنّ القصيدة العمودية بوصفها المرجع الشكلي الأساس للقصيدة العربية قد امتدّ عمرها قروناً عديدة، إلا أن كثيرا من الشعراء ما زالوا متشبّثين بكتابة هذا النوع الشعري استلهاماً لروح هذه التجربة الشعرية الغزيرة، ويحاول الشاعر العربي الحديث في هذا الإطار أن يجوّد في قصيدته وينقلها إلى فضاء الحداثة ما وسعه ذلك، وربما تكون فرص النجاح في هذا السياق محدودة لسعة التراث الهائل عالي المستوى لهذا الشعر ابتداءً من العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي وما تلاها من عصور حتى العصر الحديث. ■ ■
الشاعر محمود بن ناصر الصقري يحاول في ديوانه الشعري الموسوم (أحبك أكثر) أن يترسّم خطى الأجداد في هذا المجال، ويسعى جاهداً لتقديم رؤية شعرية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار فضاء العصر الحديث في مجمل قضاياه وتجلياته، وسنحاول من خلال مجموعة من الإضاءات أن نرصد طبيعة الفضاء الشعري للشاعر في هذا الديون، ومدى إسهام هذه الإضاءات في نجاح مهمة الشاعر نحو قصيدة عمودية جديدة تنظر إلى التراث بعينٍ وتنظر إلى الحداثة بالعين الأخرى.
يمكن النظر إلى عنوان (أحبك أكثر) بوصفه عنواناً يقوم على جملة فعلية موضوعها الحبّ وطرفاها حبيبان، ولا شك في أن موضوع الحب له تاريخ واسع في الشعرية العربية منذ أقدم العصور، حيث كان يسمّى في الموروث النقدي العربي (شعر الغزل) الذي يعدّ من أبرز الأغراض الشعرية في تاريخ الشعر العربي، وقد أخذ مسارات عديدة منذ ذلك الوقت حتى الآن وقد وصل في العصر الراهن إلى صورة جديدة تناسب العصر، والجملة العنوانية تقدم نموذجا حوارياً بين حبيب يقدم جملته هذه إلى حبيبه كي يؤكّد له عن طريق الدال (أكثر) صورة مضاعفة لهذا الحب، على الرغم من أنّ الدال (أكثر) مفتوح على أفق واسع لا ينتهي وربما يكون المعنى الأقرب أن الجملة تريد أن تقول (أكثر من الحب نفسه)، حيث تدخل هنا في سياق صوفي يعيد إنتاج كثير من المقولات الصوفية على هذا النحو.
العنوان يقدم صورة حوارية ضمنية تجعل من شخصية الحبيب مواجهة لشخصية المحبوب داخل فضاء عشقي موضوعه الحب، وهذا الموضوع لا يتوقف عند عتبة الحب في معناه المحدود والمتداول والمتعارَف عليه؛ بل يدخل في سياق صوفي عابر للمتداول والمعروف والسائد بدلالة مفردة “أكثر” ذات الطبيعة التفضيلية، ويوجد في العنوان على هذا النحو جميع عناصر التشكيل الشعري من شخصيات وحدث وحوار تتحمّل أكثر من طبقة، وتوجّه قارئ الديوان من البداية إلى تمثّل صوري عن الفضاء الذي يمكن أن تحتويه متون القصائد، انطلاقاً من توسيع مفهوم الحب كي يتجاوز الحالة العاطفية التقليدية إلى الحالة الإنسانية العامة.
تأتي عتبة الإهداء عادة بعد عتبة العنوان وتمثل طرف ميداني من أطراف الفضاء الشعري لا بدّ أن يكون له دور فاعل في متون القصائد، وإذا ما قرأنا إهداء ديون (أحبك أكثر) للشاعر الصقري سنجد أن عتبة العنوان حاضرة في مسار الإهداء، مما يدلّ على الصلة الوثيقة بين العتبتين على طريق تماسك الفضاء النصي للديوان، وعلى الرغم من أن الإهداء جاء بلغة شاعرية عالية لكنه يتضمّن صورة الحبيبة توكيداً لمقولة العنوان:
(إلى التي تعزف الرقيّ في أنشودة حبّها الخالد، ثم جاءت إليه لتنتشله من بين أنقاض وحطام الحياة البائسة وتصرخ فيه (أحبك أكثر)، إليها كل هذا الرقيّ المنشود)
فتتحول مقولة العنوان (أحبك أكثر) في عتبة الإهداء من شخصية الحبيب إلى شخصية الحبيبة، على نحو يعكس حالة الحب الجدلية بين الطرفين، وتحتشد عتبة الإهداء بتعبيرات شاعرية تصنع نوعا من المعادل الموضوعي الوجداني بين ألفاظ الصورة الإيجابية المحلِّقة (الرقيّ/أنشودة الحب الخالد/أحبك أكثر/الرقيّ المنشود)، وبين ألفاظ الصورة السلبية المضادة لها وهي (تنتشله/أنقاض/حطام الحياة البائسة/تصرخ)، بما يحقق الجدل الشعري المطلوب لتوكيد حضور الفضاء الشعري وتشكيله.
وضع عتبة التقديم لهذا الديوان الدكتور عبد المجيد بن جلالي التي تنطوي على أكثر من إشارة دالّة على عمق حضور الفضاء الشعري فيه، ولاسيما في توجيه الانتباه نحو الجانب التنويري في الديوان والسعي إلى تقويض أفكار العولمة، من خلال الانتصار للموروث الشعري العربي النقي في جوهره الأصيل حيث يقول:
(يعود بنا الشاعر محمود الصقري عبر هذه قصائد هذا الديوان إلى زمن الرقيّ الحضاري الذي عرفه الشعر العربي في مختلف عصوره، وإلى التحرّر الفكري الذي كان بمثابة حصانة للمبدع يتمتّع بها في عوالمه الداخلية، وتنساب كلمات تسير في كل اتجاه حسب هواه لا حسب أعراف المجتمع وعاداته، ومن ثمّ، فهذا الديوان يؤرّخ لعودة الشعر العربي إلى سكّته التي انزاح عنها في العقود الأخيرة نتيجة هيمنة زمن العولمة.)
فمجمل الإشارات المتعلقة بزمن ازدهار الشعر العربي، والتحرر الفكري الذي يحصّن المبدع، وعودة الشعر العربي بهذا الديوان وأمثاله إلى هذه المرجعية الناصعة، وحشد القيم الجمالية الشعرية الأصيلة لمواجهة العولمة، تعمل كلها في اتجاه دعم الفضاء الشعري النوعي لهذا الديوان وتحريض مجتمع التلقي على التفاعل معه.
تحفل قصائد الديوان كلها بجميل القول مهما كان الموضوع الشعري الذي تقدّمه، وسنجد عتبة تقديمة موجزة قبل كل قصيدة وضعها الشاعر كمفتاح قرائي للقصيدة تساع القارئ في القراءة والتوصل إلى طبقاتها العميقة، ففي قصيدة (أنا والليل) يضع الشاعر هذه العتبة التقديمية الموجزة بين عنوان القصيدة ومتنها:
(في سكون الليل البهيم، لا يجد المحبّ سوى الليل ليناجيه ويكلمه كي يخفف عنه لوعاته وزفراته لعله بذلك يعينه في لحظات ألمه.)
وربما يضع ذلك على طريقة الشاعر إبراهيم ناجي الذي يبدأ بعض قصائدة بتقديم نثري يعبّر فيه عن موقفه وإحساسه تجاه القصيدة، وقصيدة الشاعر الصقري (أنا والليل) تقترح فضاءً وجدانياً عالياً من بدايتها التي تدخل (ليلاه) إلى جانب الليل الماثل في عنوان القصيدة:
(إذا ساءلتِ يا ليلايَ عنّي وعمّا كان من حبّي فإنّي
جمعتُ هواكِ في قلبي وعقلي وأمنتُ الغرام بلا تجنّي
وصُنتُ العهد يا ليلايَ حتى رأيتُ العهد يشكو طول سجني
أُناجي الليل والذكرى خيالٌ وغاية منتهى فكري وظنّي
أنادمه لأكشف ما تخفّى وأسأله لماذا غاب عنّي
وأصرخُ فيه يا ليلى كفاني فقد حار الهوى والحبّ منّي)
إن هذه القصيدة تحاول أن تكشف عن حضور دال (الليل) بوصفه فضاء شعريا صالحا لاستقدام صورة الحبيبة وتمثّلها شعرياً، وتنطوي على صراع داخلي نفسي وآخر خارجي زمني يؤسس لفلسفة الرؤية الشعرية في القصيدة، تكون فيها الأنا الشاعرة محوراً أصيلاً لدرامية الحراك الشعري في القصيدة لتأخذ فيه صورة الحب طابعا رومانسيا لا يخلو من مسحة صوفية تتجلّى على شكل نبض شعري بين الحين والآخر.
يتحوّل الشاعر في قصيدة (عاشت عُمان) من منطقة الوجدان العاطفي مع الحبيبة إلى منطقة الوجدان العاطفي مع الوطن، ويبدأ القصيدة أيضاً بتقديم نثري يرفع دال (الوطن) إلى مقام عالٍ بما يحمله من أسرار دفينة:
(الوطن هو سرّ الحياة، ومبعث الأمل، ودليل العزّة والانتماء، إنّه الدم الذي يجري في عروق الأبناء (عُمان)
إذ يصير الوطن هنا دائرة متماسكة من المعنى تحتشد فيها جملة دوال متعاشقة (سرّ الحياة/مبعث الأمل/العزّة/الانتماء/الدم/عروق الأبناء)، في معادلة شعرية تفتح السبيل نحو فضاء المتن الشعري القادم في القصيدة، حيث يتحول المكان الشعري (عُمان) إلى نافذة تشرف على فضاء عاطفي بلا نهاية ولا حدود.
يحشد الشاعر مجموعة من الخصائص والصفات للمكان الشعري الذي حضر بوصفه محورا مركزيا من محاور القصيدة، وقد تكررت مفردة (أرض) أربع مرات؛ وفي كل مرة توفّر دلالة ما ذات طبيعة يتركّز فيها الانتماء للمكان، فمعاينة المكان النوعي الوطني على هذا النحو الوجداني يتيح للفضاء الشعري أن يتجلّى بصورة شمولية عالية، إذ يتمثّل الحب في قلب المكان “عُمان” ويسري في عروق الكلمات سرياناً في أعلى درجات الحساسية، كي يضيف إلى الفضاء الشعري في القصيدة حرارة الانتماء والمرجع والرؤية.
يعود الشاعر في قصيدة (ضمير الحبّ) إلى التدخّل الأعمق في جوهر من جواهر فكرة الحب عن طريق شبكة من الأسئلة يوجّهها شعريا إلى (ليلى)، وهي الرمز الشعري الذي يستعين به كثير من الشعراء العرب لوصف تجاربهم وسردها شعريا، ويقدّم الشاعر لقصيدته بمقدمة سردية مزحومة بطاقة استفهامية تبرز أكثر في متن القصيدة وهي:
(تساؤلات عن حجم السعادة التي يمكن أن يحسّ بها الحبيب، فيترجمها من خلال أسئلة حائرة)
إن دال (تساؤلات) و(أسئلة حائرة) فتح السبيل أمام الفضاء الشعري للخوض في أسئلة متلاحقة تحاصر الشخصية التي تحاورها الذات الشاعرة، والشاعر في هذه القصيدة مشغول بالآخر الحبيب (ليلى) مع أنّ حساسية الأسئلة التي يتوجه بها إليها لا تخلو من عنف، وهي أسئلة متداخلة ومتراكبة تتجلى شعريا بنبرة عالية وقاسية وقصدية، تكشف عن طبيعة الفضاء الشعري الذي يروم الشاعر صوغه في متن القصيدة:
(لماذا تكرهين الشعر والأشعار يا ليلى؟
لماذا تحملين الهمّ في ذكراك والبلوى؟
لماذا كلّ هذا الحزنُ في عينيكِ قد صلّى؟
أماتَ الحبّ مخنوقاً، وأنتِ بموته ثكلى؟
تعالتْ فيك آهاتٌ عليها القلبُ ما ملّا
ترومين العنا دهراً، وليلُ شقاكِ لا يبلى
كأنّ الهمّ مطبوعٌ، على مرآك أو يتلى.)
تدور الأسئلة الشعرية التي تنطلق من عتبة الذات الشاعرة نحو شخصية (ليلى) الشعرية حول جملة موضوعات أساسية، تبدأ بالسؤال عن الشعر وحاجز الكره بينه وبين ليلى، يعقبه السؤال الثاني حول إصارا ليلى على حمل الهمّ والبلوى كطاقة سلبية لا تقود إلى الحياة، ومن ثمّ يعقبه سؤال استعاري عن علوّ كعب الحزن في عينيها إلى درجة العبادة، كي تنتهي الأسئلة حول يقينية موت الحب ووصولها إلى الحالة الثكلى، لتكون الصورة الشعرية العامة في القصيدة مساحة لتكاثر الأحزان والتئامها وتكاتفها، وكـأن الصورة الشعرية تشير في مضمونها إلى غياب فضاء الحب الذي يبحث عنه الحبيب لدى حبيبته.
تنتقل قصيدة (زهرة الحقول) في عتبة عنوانها إلى الطبيعة ممثلة بـ(زهرة الحقول) التي هي عنوان الفضاء الشعري القادم في متن القصيدة، إذ يريد الشاعر أن يوجد مقارنة جمالية بين هذه الزهرة وبين الحبيبة في التقديم السردي للقصيدة:
(يتفنّن المحبّ في وصف محبوبته، فيطلق لشاعريته العنان في ترجمة هذا الوصف الذي يمازجه من كل ألوان الطيف)
فعملية الوصف التي يتحدث عنها الشاعر يحوّل صورة المحبوبة إلى حفل ألوان طافح بالبهجة حين يرى أن هذا الوصف “يمازجه من كل ألوان الطيف”، ومن ثم يكون المنادى في متن القصيدة هو “الزهرة” بكل ما يحمله هذا الدال من فضاء دلالي يجمع عنصرا جماليا من عناصر الطبيعة مع صورة المحبوبة، في حساسية شعرية تتناغم مع تكامل الفضاء الشعري:
(يا زهرةً..
من ريقها المعسول
تفتّحت مداركٌ
وبانت الميول
وأُسكرتْ عقول
وأصبحت في حبّها هيمانةً
تغزل القبول
وترتجي الوصول
بطيبها الفوّاح
على جناح نفحةٍ
تهزّ كلّ كوننا
وتنفضُ الخمول)
فنجد أن هذه الزهرة التي يناديها الشاعر، أو يصفها، أو يستعين بها، أو يرصدها، أو يتغزّل بها على نحو ما، هي مركز الفضاء الشعري وموطنه ورمزه الحاضر بقوة في حركات القصيدة على مستوى اللغة أو الصورة أو الإيقاع، مع أن القوافي هنا قد تكون زادت عن حدها المطلوب في مقطع صغير من مقاطع القصيدة (المعسول/الميول/عقول/الوصول/الخمول)، إذ كان من الممكن التقليل منها كي لا يطغى الإيقاع الخارجي العام على الإيقاع الداخلي الخاص الذي هو الأهمّ في هذا الفضاء الشعري.

جامعة نزوى/سلطنة عُمان