عادل سعد
أن تستمكن في الساحة الدولية مخالب إنكار وعنصرية واستحواذ احتكاري وابتزاز ولجوء إلى مسلسل العقوبات المتبادلة، تظل الحاجة إلى إعادة تأهيل الواقع الدولي بما يستجيب لقضايا السلام والتنمية والشراكات المنصفة وشفافية التعامل غاية في الضرورة إذا أخذنا بالاعتبار أن الوضع لا يستقيم إلا بذلك على ضوء القِيَم المشتركة التي حددتها المقاصد النبيلة لعالم خالٍ من التهديدات والمخاطر التي يمكن أن تتسبب في متغيرات لا تحمد عقباها.
لقد توقفت في الأيام القليلة الماضية عند تقارير صادرة عن منظمات دولية وازنة عن احتمالات تجذر المجاعة في العالم وضربها بعمق أكثر من عشرين بلدًا بعضها بلدان عربية على خلفية الأزمة الأوكرانية الروسية ومعوقات تصدير القمح هي في مجملها تقاذف بالاتهامات والتصيُّد على حساب الحقيقة. ولي أن أضيف ما نشره معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (من أن العالم يتجه الآن نحو عصر جديد من إعادة التسلح النووي)، وكذلك التوتر المتوسطي (نسبة للبحر المتوسط) على خلفية التنازع اللبناني الإسرائيلي لاستخراج الغاز ومحاولات ذهاب الإسرائيليين للإنتاج قبل أن تحسم موضوعة الخلاف على حقل كاريش المتنازع عليه، مع العلم أن هناك حقوقًا سيادية لبنانية واضحة ومثبتة بالخرائط حددتها الدولة اللبنانية وأودعتها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة بشأن هذا الحقل، كما يظل تمدد ظاهرة التضخم علامات لا يمكن أن يستهان بها تنذر بركود اقتصادي قد يكون أسوأ من الركود الذي ضرب العالم عام 2008، والنسخة الأصعب في الوقت الحاضر أن التضخم جاء مترافقًا مع مسلسل شحة في مواد غذائية بنسخ متعددة تشكو منه الولايات المتحدة الأميركية وأغلب دول الاتحاد الأوروبي وارتفاع أسعار سلع غذائية أساسية.
إن أشد الاختلاطات ضغطًا التي يمكن أن تعانيها الجهات الفارضة للعقوبات اعتقادها أنها ستظل في منأى من تداعياتها عليها أو تطبيقًا (عليّ وعلى أعدائي) في عالم لا تصح للسلام فيه فرصة إلا بتكامل حاجاته.
إنني إذ أشير إلى هذه الأحداث بتوتراتها واحتمالاتها السيئة أستحضر الآن معالم كتاب للأستاذ الدكتور علي عباس مراد، راصد علمي متمرس في جامعة بغداد أهداني نسخة منه وأتيح لي أن أقرأه بتمعن عن الهندسة الاجتماعية متناولًا وقائعها عبر التاريخ، ومتوفقًا بالمزيد من التفصيل عند عالم اليوم مركزًا على أهمية استحداث هندسة نفسية واجتماعية لمعالجة معضلات قائمة ومستشرية.
يتداول الباحث مراد في مؤلفه الحاجة الملحَّة لتوظيف الهندسة الاجتماعية كمفتاح لمعالجة انسدادات مخيمة دوليًّا تحت وطأة نزعات تطرف وغلو وتغالب وهيمنة احتكارية متوحشة وإنكار حقوق وتبايت (الواحد يبيِّت للآخر) على مفترقات طرق قد تعمق أزمات قائمة وربما تصنع أخرى، بل قد تشعل حروبًا واسعةً تحوِّل نتائجها العالم إلى (بطة عرجاء) على القياس الشائع لتوصيف كثرة مسببات التعثر.
حسبي أن الساحة الدولية بحاجة ماسة الآن لتوظيفات الهندسة الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى، وإذا كان هناك من ضرورات للمعالجة الأساسية فلا بُدَّ من التعاطي التثقيفي والتدريبي بها.
يتوقف الباحث مراد عند الآليات المطلوبة للهندسة الاجتماعية ضمن نسختها الضامنة مستعينًا بما أكد عليه المؤرخ والمنظر الفرنسي ألكسي دي توكفيل (صناعة الإنسان قبل صناعة المواطن) وعندها يكون هذا المقياس من التوجُّه قد أسس لتقاليد وقِيَم تضامن وشراكة ومصالح مشتركة.
إن المؤسف المتجذر الآن في الساحة الدولية يقوم على فرضيات العقوبات، وتحقيق مصالح مقطوعة عن سياقات المنافع المشتركة؛ أي أن الهندسة الاجتماعية باتت توظف على نطاق واسع في إطار احتكار الأهمية لهذا الطرف السياسي أو ذاك وبسبب ذلك كثرت المناكفات، أو ما يمكن أن أصطلح عليه هرج المصالح مما أحدث تعتيمًا على أهدافها الانضباطية الأخلاقية، وإذا كان لا بُدَّ من التقاط الأحداث بعيدًا من سياسات الانتقام والتشفي وتحويش الفوائد، فإن النسخة الجاهزة لهذه المعالجة تكمن في خيارات التبصر.
إن استعادة الهندسة الاجتماعية في الساحة الدولية لمنجزها الوظيفي الإصلاحي لا بُدَّ أن يتأسس بعيدًا عن (أتاوات) النفوذ، وهذا خط شروع مضمون.
ينبغي أن تتقاسم دول العالم الفرص.