د. رجب بن علي العويسي
لم يعد مفهوم التكامل المؤسسي اليوم وفي ظل بناء عُمان المستقبل وتحقيق رؤيتها الطموحة 2040 حالة وقتية وسلوكا مزاجيا أو مساحة اختيارية للمسؤول الحكومي في الجهاز الإداري للدولة، بل خيار استراتيجي يجب أن يسلك، يأتي استجابة للأوامر والتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث تناولت مضامين خطابات جلالته الوطنية، وفي أثناء ترؤسه لاجتماعات مجلس الوزراء الموقَّر ولقاءاته مع المواطنين، التأكيد الصريح والضمني على أهمية التكامل في العمل المؤسسي، ورفع درجة التنسيق بين مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة وصولا إلى تكاملها مع مؤسسات القطاع الخاص والمواطنين، بحيث تصبح التكاملية في منظومة الجهاز الإداري للدولة سلوكا أصيلا وقاعدة في العمل الوطني الجاد المخلص.
على أن تحقيق أولويات الرؤية والمبادئ والمفاهيم المرتبطة بالحوكمة وقياس الأداء واللامركزية وتبسيط الإجراءات وتعزيز الاستثمارات وتحقيق أفضل للملاءة المالية والاستدامة الاقتصادية، وتوظيف مفهوم إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة كنواة للتحوُّل في المجتمع الوظيفي وبناء اقتصاد وطني قادر على المنافسة ورسم خيوط وخطوط نجاح له في استيعاب التحوُّلات الإيجابية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط أو في التعامل الواعي مع التحدِّيات الاقتصادية المرتبطة بأزمة الغذاء وارتفاع الأسعار المواد الاستهلاكية والتضخم وغيره أو كذلك في انسيابية الأنشطة والبرامج والخطط التنموية ووضوح عمليات التنفيذ لها وسرعتها وكفاءتها إنما يعتمد بالدرجة الأولى على درجة التنسيق والتكامل في العمل المؤسسي وإقصاء كل مسببات الهدر في الموارد والوقت والجهد والمال العام أو المشوهات والعقبات الناتجة عن تداخل الاختصاصات وعقدة الإجراءات وتنازع المهام وازدواجية العمل وسلطوية القرار وتكريس لغة الفوقية في السلوك المؤسسي على مستوى وحدات الجهاز الإداري للدولة وفي آلية التعاطي مع الاختصاصات والمهام والتكامل بين الإدارات والمكوِّنات ما بينها والذي يرتبط ارتباطا كبيرا بحضور البيروقراطية في العمل والتكرارية في الممارسة وتصعيب الإجراءات وفجوة التباينات في منظومة الأداء الناتجة عن الفردانية والفوقية والسلطوية والنزعة إلى الذاتية والأنانية وغيرها من المشوهات لصورة العمل المؤسسي الناضج والأداء الرصين، وانعكاسات ذلك كله على مفهوم الإنتاجية في الأداء الحكومي ومستوى الجاهزية والحوكمة في الاستجابة لمتطلبات التحوُّل والتي تنطلق من مبدأ التشاركية والسلوك الجمعي في تحقيق نواتج مبهرة على أرض الواقع.
من هنا كانت التكاملية المصحوبة بوضوح المعايير وكفاءة التشريعات ومرونة الإجراءات وتنوع البدائل والخيارات المطروحة من المؤسسات والتوافقية فيها وتحقيقها للصالح العام، وحجم التنازلات الشخصية التي تقدمها الوحدات الحكومية في سبيل تحقيق الأولويات الوطنية من جهة والإسراع في إنجاز وتحقيق الهدف والغاية من هذا المشروع أو ذاك والتي سيكون لها أثرها في سرعة الوصول إلى إنتاج حلول جذرية متناغمة مع آليات العمل الوطنية والمبادرات التي طرحتها رؤية عُمان في القطاعات ذات العلاقة، وبالتالي مستوى الجدية في الاستفادة من المشتركات والوقوف على نقاط الالتقاء وتعظيم قيمتها تحجيم التباينات والاختلافات البينية بما لا يضع منها عقبة في تنفيذ التوجُّه أو نقل المشروع أو العمل إلى أرض الواقع، بما يؤكد أهمية أن تسلك هذه المنظومة بكل قطاعاتها نهج التوازن في قراءة طبيعة المرحلة وأولوياتها، وموقع المواطن فيها، وكيفية توجيهه إلى استشعار عظمة المنجز المتحقق في مختلف القطاعات والجهد المبذول من مختلف المؤسسات، مع مراعاة توفير الممكنات والمحفزات وعبر تقوية مشتركات العمل، وتجديد مسارات التكامل الميداني في المشاريع التي تنفذ على مستوى محافظة مسقط أو المحافظات الأخرى في مجال شبكات الطرق والنقل العام والبنية الأساسية والمناطق الصناعية واللوجستيات وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات وخدمات الإنترنت وتوفير الخدمات الأساسية للأراضي وغيرها بما يضمن تعميق روح الحوار، ومد جسور التواصل، واستشعار أهمية وضوح مسارات العمل عبر مكاشفة المواطن ومصارحته وتحديد والشفافية معه ومنحه فرص التعبير عن رأيه وتقديم وجهة نظره في تصحيح المسار، كونه الحلقة الأقوى والشريك الفاعل واللاعب الرئيسي في معادلة النجاح.
إن من شأن التكاملية المنشودة في تفاصيل العمل الوطني وتبني البرامج الإلكترونية والتطبيقات الذكية التي تضع الجميع أصحاب الخدمة ضمن نطاق تنفيذي واحد، أن تؤسس لمرحلة متقدمة من إنتاج الثقة التي يمنحها المواطن لمؤسسات الدولة في استيعابها لمعطيات المرحلة ومتطلبات المواطن، الأمر الذي سيكون له أثره الإيجابي في قناعاته بما تتخذه من توجُّهات أو كما تتفاعل معه من سياسات أو تعمل على تحقيقه من استراتيجيات وبرامج، الأمر الذي سيضمن مشاركة المواطن بقوة في دعم هذه المنظومة من خلال أطروحاته ومبادراته وأفكاره وما يقدمه من منتج معرفي وفكري داعم للعمل المؤسسي المتكامل وزيادة فرص الشراكة فيما بينها، وحلحلة بعض التحدِّيات التي باتت تلقي بظلالها على الواقع خصوصا فيما يظهر من بطء الإجراءات الإلكترونية لبعض مؤسسات الجهاز الإداري للدولة.
عليه، فإن نقل التكاملية إلى الواقع يستدعي اليوم شعورا أقوى بالعمل معا في التعاطي مع التحدِّيات وجلد الذات والوقوف على الفرص وتشخص الواقع وتصحيح المسار وتوحيد مفاهيم العمل وضبط مسارات الأداء، فتتحول التكاملية من مجرد لجان مشتركة أو اتفاقيات بروتوكولية ورقية ليس لها نصيب من التطبيق إلى نماذج من الواقع تظهر في تبسيط الإجراءات وتقليل الفاقد وتوفير الخدمات الأساسية وسرعة إنجاز المعاملات، والوقوف على احتياجات المواطنين وحلحلة المشكلات المرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية، والحد من سلسلة التطويل في الإجراءات، التي باتت تشكل تحدِّيا يعكس حالة التباين في مسارات العمل، وفتح المجال للمواطن والقطاع الخاص كشركاء استراتيجيين فاعلين في صناعة البدائل وتوليد الحلول، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة من الحوافز وفرص التمويل، والتوقعات الاستثمارية للمناطق الاقتصادية في الدقم وصلالة وصحار، وتعزيز اقتصاديات المحيطات والمناطق اللوجستية وغيرها، وهي في مجملها توجُّهات مرهون على نجاحها وقدرتها على وضع عُمان في الخريطة الاقتصادية المتكاملة بالمنطقة، وفي ظل ما يتم الحديث عنه اليوم من سكك الحديد والمترو ومركز المدينة وإعادة طرح مسقط الكبرى وصحار الكبرى وغيرها كأحد نواتج الاستراتيجية العمرانية 2040، وتوفير مظلة تشريعية وتنظيمية وتسويقية واتصالية وسوق محلية وعالمية داعمة، يظهر ذلك في واقع تعامل القطاعات المرن واحتوائها السريع لهذه الفرص الاقتصادية والاستثمارية وتوفير الضمانات الحكومية في توفير البنى الأساسية والخدمات العامة لها من شبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والغاز بما يحفزها على الاستثمار في هذه الفرص.
على أن ما تمر به سلطنة عُمان اليوم من توجُّهات لتعزيز الاستدامة الاقتصادية ورفع الملاءة المالية وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء يستدعي تحوُّلا في أساليب العمل وآليات التعامل ومنطق الأداء واستراتيجيات التطوير وأجندة التغيير التي يجب أن تبرز في تعاطي المؤسسات الحكومية مع مسؤولياتها، ووقوفها عند الإجراءات المتخذة وترجيح معادلة التوازن بين الاستفادة من مقوِّمات التكامل وبين المحافظة على خصوصية المهام بما لا يفقدها حضورها وموقعها، ومعنى ذلك توقع وجود مساحة من التنازلات التي يجب على المؤسسات أن تتعاطى معها في سبيل تحقيق المصلحة العامة وإنجاز الخدمات الحكومية بأفضل معايير الجودة، هذا الأمر من شأنه أن يقلل من حجم الهدر الحاصل والازدواجية في التوجُّهات، كما يوفر الكثير من الفرص والموارد عبر إشاعة هذه المعلومات والأفكار ومشروعات القوانين والتحدِّيات والدراسات المنجزة بين الوحدات الحكومية واطلاعها على الموقف التنفيذي الحاصل في المجال المشترك بينها، وتستفيد من وجهة نظر والأفكار التي تطرحها الجهات الأخرى في سبيل حوكمة العمل وتجويده وتقليل الهدر الناتج عنه وعبر لغة جامعة تؤسس لمزيد من التعايش الفكري المؤسسي، وتبرز مفهوما أعمق للحوار والتنسيق المشترك الذي من شأنه أن يولد توأمة في العمل المؤسسي ويوجد فرصا كبيرة لتحقيق هدف الإنجاز أز الوصول إلى رؤية واضحة تحفظ حق الجميع في المشاركة، وتبرز حضوره وموقعه في تحقيق الهدف.
أخيرا، يبقى تحقيق خيار التكامل الاستراتيجي في العمل الحكومي خاصة والعمل الوطني عامة في ظل ما تفصح عنه حوارات المسؤول الحكومي من رؤساء الوحدات الحكومية والوكلاء ومن في حكمهم بتدني مستوى التكامل ووحدة العمل رغم الدعوات المتكررة للحكومة في هذا الشأن، مرهونا بوجود إطار وطني واضح المعالم يحدد مجالات التكامل ونماذجه وبرامجه وخطواته وإسقاط تفاصيله على مستوى الوحدات الجهاز الإداري للدولة والشركات الحكومية ومع مؤسسات القطاع الخاص والمواطنون، الأمر الذي يستدعي توفير نظم التقييم والمتابعة والإدارة الفاعلة في نقل خيار التكامل من التنظير إلى التطبيق وعبر اقتراح وجود جهة وطنية عليا معنية بتأطير وتنظيم منصَّات التنسيق والتكامل وتفعيل أطر الإنجاز المشترك بين القطاعات الوطنية، بما يمكن أن يؤديه كفاءة التنسيق ورفع مستوياته وتأطير انسيابيته بين وحدات الجهاز الإداري للدولة في أبسط التفاصيل من أريحية في التنفيذ ومهنية في الأداء وكفاءة في جودة المنتج، ورغبة أكيدة من قبل المستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء في ضخ أموالهم في تنفيذ مشروعات نوعية قادرة على صناعة الفارق خصوصا في ظل ما يتم الحديث عنه اليوم من سكك الحديد والمترو ومركز المدينة وإعادة هيكلة مسقط الكبرى وصحار الكبرى وغيرها، وتوفير مظلة تشريعية وتنظيمية وتسويقية واتصالية وسوق محلية وعالمية داعمة تستقطب هذه الاستثمارات، بما يتطلبه ذلك من تعامل القطاعات المرن واحتوائها السريع لهذه الفرص الاقتصادية والاستثمارية وتوفير الضمانات الحكومية في توفير البنى الأساسية والخدمات العامة لها من شبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات بما يحفزها على الاستثمار في هذه الفرص.