محمد بن سعيد الفطيسي
تناولت سابقا بالتحليل والنقد وفي أكثر من مقال تم نشره في هذه الصحيفة الغرَّاء(الوطن العُمانية) ذات الموضوع الموضح أعلاه؛ وذلك لأهميته البالغة في تمكين العدالة وتحقيق الأمن والاستقرار منها مقال (حماية الشهود ومن في حكمهم في قانون مكافحة الإرهاب (نظرة للمستقبل) والمنشور بتاريخ 25 يوليو 2021 ومقال (قوانين لحماية الشهود ومن في حكمهم في جرائم الفساد والإرهاب) والمنشور بتاريخ 26 سبتمبر 2021، وحول ذات الموضوع نشرت مجلة العلوم السياسية والقانونية وهي مجلة محكمة تصدر باللغة العربية في برلين في عددها 32 الصادر في شهر يونيو 2022 دراسة محكمة حول ذات القضية، أحاول في هذا المقال اختصار أبرز ما جاء فيها بهدف نشر الفائدة العلمية على النحو الآتي:
تعد الجرائم الإرهابية من أخطر الجرائم المهددة للبيئة الأمنية المعاصرة؛ نظرا لما تخلفه من آثار وتبعات خطيرة ومكلفة على مختلف المستويات الإنسانية والعمرانية، الأمر الذي يستدعي بالضرورة مواجهة مختلف تلك التداعيات والآثار بسياسات وتوجهات قانونية وأمنية تهدف للحدِّ من تلك المخاطر والتهديدات على مختلف المستويات، ومن بينها بكل تأكيد ضرورة توفير مختلف أشكال الحماية للأشخاص المتعاونين مع مؤسسات إنفاذ القانون وتحقيق العدالة.
لذا فإن حماية الشهود ومن في حكمهم مثل المبلغين ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ ويشمل ذلك كما يفترض أفراد الأسرة لعموم التهديدات التي في أغلب الأوقات تمتد إليهم؛ مهم للغاية لتحقيق حسن سير مرفق العدالة في مختلف الجرائم، وتزيد درجة الأهمية عندما يكون ذلك في جرائم ذات درجة عالية من الخطورة والتهديد مثل القضايا المتعلقة بالإرهاب أو تمويل الإرهاب.
في الجانب الآخر من المهم للغاية أن تستمر وتشمل في ذات الوقت ضمانات تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان المشتبه بهم في تلك الجرائم إلى أن تثبت إدانتهم، وهو أمر يفترض أن لا يتعارض مع تدابير مكافحة الإرهاب ومن ضمنها تلك القوانين والبرامج المتعلقة بحماية المتعاونين مع مؤسسات العدالة، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته بغضِّ النظر عن نوع الجريمة.
عليه، فإن عدم وجود قوانين وبرامج خاصة بحماية الشهود ومن في حكمهم في أي دولة من الدول يؤدي في أحيان كثيرة إلى إفلات جناة من العقاب وفي أحيان أخرى يتحول الشاهد والمبلغ أو الخبير إلى مجني عليه، وهذا ما يؤدي إلى خلل في نظام العدالة ويكون له أثر سلبي على الاستقرار الأمني ثم الاجتماعي، بينما ترتب على استحداث تلك القوانين والبرامج آثار ونتائج سلبية على ضمانات حقوق الإنسان للمشتبه بهم في قضايا إرهابية؛ لأنها لم تأخذ في الحسبان موائمة حقوق جميع الأطراف.
على ضوء ذلك برز التحدي الخاص بالمواءمة بين ضرورات تحقيق الأمن والعدالة في البرامج الخاصة بمكافحة جرائم الإرهاب وإنفاذ القانون ومن ضمنها قوانين وبرامج حماية فئة الشهود ومن في حكمهم وتحديات تحقيق العدالة وحقوق الإنسان للمشتبه بهم في قضايا إرهابية من خلال تعارض العديد من تلك البرامج وبعض نصوص قوانين حماية الشهود مع ضمانات حقوق الإنسان للمشتبه بهم.
فقوانين وبرامج حماية الشهود ومن في حكمهم وحماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الجنائية للمشتبه فيه أو المتهم في جرائم إرهابية يفترض أنهما هدفان لا يتعارضان، بل هما متكاملان ويعزِّزان بعضهما بعضًا، فضمان حق المشتبه في أنهم إرهابيون في محاكمة عادلة أمر بالغ الأهمية لكفالة احترام سيادة القانون فيما يُتَّخذ من تدابير مكافحة الإرهاب وعدالة هذه التدابير، حيث يتحتَّم أن يرتكز اتخاذ التدابير الوقائية أو حتى الدفاعية منها لمنع هذه الجرائم والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها على كلٍّ من سيادة القانون ومبادئ حقوق الإنسان المعترف ﺑﻬا دوليًّا.
وقد اتجهت العديد من الدول لاستحداث قوانين وبرامج خاصة لتحقيق الحماية والمساعدة الأمنية والقانونية لتلك الفئة، بينما ما زالت المنظومة التشريعية لدول أخرى تفتقر لمثل هذا النوع من القوانين والبرامج الخاصة، ما يشكل عقبة في طريق تحقيق العدالة والمحافظة على حقوق الإنسان من جهة، ويزيد من دائرة المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تتعرض لها هذه الفئة من جهة أخرى.
خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج والتوصيات أهمها: أولا: نتائج الدراسة: اعتبار الشهادة التزاما قانونيا وأخلاقيا؛ إلا أن حق استدعاء الشهود واستجوابهم ليس حقًّا مطلقًا وأن قوانين وبرامج حماية الشهود ومن في حكمهم وحماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الجنائية للمشتبه فيه أو المتهم في جرائم إرهابية هدفان لا يتعارضان؛ وأن تمكين الشهود والمتعاونين على إنفاذ القانون من الإدلاء بشهادتهم في محيط قضائي وبيئة أمنية مستقرة عامل أساسي في صون حكم القانون ومكافحة الإرهاب؛ كذلك ضمان حق المشتبه في أنهم إرهابيون في محاكمة عادلة أمر بالغ الأهمية لكفالة احترام سيادة القانون فيما يُتَّخذ من تدابير مكافحة الإرهاب.
وقد أوصت بضرورة استحداث وتطوير قوانين وبرامج حماية الشهود أو المبلغين ومن في حكمهم في قضايا الإرهاب وأهمية التحديد الدقيق لفئات الشهود والمبلغين والخبراء والمتعاونين على إنفاذ القانون في جرائم الإرهاب، سواء كان ذلك في قانون حماية الشهود ومن في حكمهم أو في بقية القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب، كذلك ضرورة تحديد نوعية الجرائم التي تتطلب حماية الشاهد من التهديد وتوفير البيئة الأمنية والقضائية الملائمة لتمكين فئة الشهود ومن في حكمهم قبل الشهادة وأثناءها وبعد الانتهاء منها عامل أساسي في صون حكم القانون ومكافحة الإرهاب، وأنه من الحتمي العناية بتلك المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان لجميع الأطراف في جرائم الإرهاب وضمان حق المشتبه في أنهم إرهابيون في محاكمة عادلة. أخيرا، ضرورة العناية بالجوانب الاجتماعية والنفسية لفئة الشهود والمبلغين ومن في حكمهم قبل وأثناء وبعد الشهادة.
توصية: إن كان من توصية أخيرة في هذا السياق فهي أهمية إصدار قانون وطني مستقل لحماية الشهود ومن في حكمهم فيما يتعلق بجرائم الإرهاب. ورغم أني لست مع دمج برامج حماية الشهود ومن في حكمهم في جرائم الفساد والإرهاب في تشريع أو برنامج مشترك كما فعلت بعض الدول، إلا أنه وإن كان ولا بُدَّ فيمكن ذلك بشرط إعطاء كل جريمة حقها في التخصيص والتفصيل؛ مع ضرورة إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب كبديل لقانون مكافحة الإرهاب العماني رقم 8 لسنة 2007.