سعود بن علي الحارثيرابعا: ميونيخ وقرى الشمال الإيطالي.أخذنا من مطار "ميونيخ" إلى فندق "الهوليدي إن"، محل إقامتنا، حوالي الساعة إلا ربع تقريبا بسبب الازدحام المروري في الشارع الموصل إلى الفندق، الذي يتميَّز بنظافته وتصميمه المريح وموقعه في منطقة هادئة بعيدة عن الصخب والإزعاج. كانت الحياة في "ميونيخ مارين بلاتز"، كما تركناها قبل "كوفيد١٩"، طبيعية جدا، فلا وجود للكمامات في وجوه الناس، والساحات والأزقة والأسواق والمقاهي والمطاعم مزدحمة بالبشر، والأسعار في متناول الجميع مثلما كانت، والبرد لا يزال قارسا، وسكان ميونيخ وزائروها يلبسون الملابس الثقيلة بعد يوم ممطر وسماء لا تزال السحاب الثقال تحجبها عنا. الصديق علي الفليتي بفطنته المعهودة وذاكرته القوية ونباهته المتفردة وتركيزه على الشوارع والأزقة والمعالم التي يزورها من المرة الأولى ـ وهي خصيصة لا يمتلكها الكثيرون ـ كان دليلنا ومرشدنا في الكثير من المواقع والمناطق التي نقصدها، وبآرائه الحميدة وملاحظاته القيِّمة تجاوزنا العديد من الإشكالات والمعيقات، فله منا خالص الشكر والود والتقدير. في صباح اليوم التالي ودعنا ميونيخ والأراضي الألمانية منطلقين عبر السهوب والمسطحات الخضراء، إلى قرى الشمال الإيطالي التي تتفرد بطبيعة خلابة وسحر أخاذ وتصميم معماري مدهش، وتمزج بين منطقتي البحر الأبيض المتوسط وبلدان جبال الألب، وتمتاز بمواقع استراتيجية في نشأتها التاريخية، تمتد من سفوح الجبال وحتى قممها، التي تتدفق منها الجداول والشلالات في صوت هادر لتصب في مجارٍ وسواقٍ تتلوى وتنساب بين الأزقة والساحات العامة والمنازل والكاتدرائيات والكنائس ومعالم ومرافق تلك القرى، وتشكِّل المساحات والزراعات الخضراء والأعشاب والزهور والأشجار البرية، التي تتوزع بين الأرض المنبسطة والسفوح والمدرجات والقمم العالية، مشهدا آخر يثير الإدهاش، ويدعو إلى التأمل والتدبر، ويبعث على الهدوء والراحة النفسية... كانت القرى الألمانية والنمساوية والإيطالية ونحن في مسيرنا السياحي البطيء، تستقبل دفقات من الأمطار على فترات وبكميات مختلفة، فتفضي عليها المزيد من الجمال والأناقة والزهو والتألق، والجبال تستجيب معها فتضيف إلى الجمال والتأنق بذخا لا شيء في هذه الدنيا يضاهيه، لدرجة أن المرء يتمنى أن يشاركه في تلك اللحظة الاستثنائية جميع أحبته وأصدقائه، فمناظر الشلالات والجداول والأنهار وهي تتدفق وتجري وتتوغل بين الغابات والأشجار والبساتين والقرى والمنحدرات في أشكال ومشاهد متعددة، وصور القمم الجبلية التي تلتحف الغمام والثلوج، وتتجمد في قممها العالية الشلالات والشعاب المائية كلها تتحد وتجتمع وتلتقي لتعرض على السائح في هذا المنطقة من العالم جنة الدنيا في أزهى حللها... زرنا بحيرة سيجنتشر في ألمانيا، وبحيرة "أخنسي" في قرية "بيرتساو"، النمساوية، وقرى "أورتيس" و"بولزانو" و"فالدورا"... في إيطاليا، التي تشارك فيها العصافير والنحلات الطعام مع السكان والسياح في المطاعم والمقاهي، والتي أخذت منا جولة سياحية ليوم كامل، ولم نفوت الفرصة في احتساء فنجانين القهوة وتناول المخبوزات المحلية وأنواع من الكيك والآيسكريم في مواقع ساحرة يتحسر المرء فعلا على فراقها. لليوم الثالث على التوالي، لا تزال السحب جاثمة على سماء المنطقة، والغمام على حاله ساجدا وخاشعا يحجب عن مرآنا قمم الجبال الشاهقة والشمس التي كنا في أمسِّ الحاجة إلى أشعتها لتمنحنا الحرارة والدفء وتضيء الأرض بجمالها وتعلن عن وجودها في هذه السهول والجبال التي تكاد تفيض مجاريها بمياه الشلالات والجداول والأنهار وتحتاج إلى الطاقة والتجديد والراحة، فلن تتوقف الأمطار ولن تعلن هذه الركاميات من السحب الثقال عن انسحابها إلا إذا سطعت الشمس على المكان. السيارة تسير بنا بين مرتفعات ومنحدرات، وعلى مستويات مختلفة، وطرق متعددة، ومشاهد خلابة تحتشد عن اليمين والشمال، كل منظر يدعونا إلى التوقف والتأمل والاستمتاع، والتقاط الصور التذكارية والمقاطع التي نتشاركها مع الأسرة والأصدقاء ونحتفظ بها للذكرى، فهل سنظل نتوقف ونتشرب رحيق الطبيعة والوقت يسرقنا فيمضي دون أن نشعر به، والبرنامج مزدحم؟ إنه الجمال، السحر الفتان، الطبيعة البكر، الحياة تشعرنا بقيمتها، وهذا البذخ من المناظر الخلابة تعبِّر عن عظمة الخالق ورحمته بالإنسان. يثير الصديق خلفان الرشيدي حماس رفقائه في الرحلة كلما بادر إلى اختيار قصيدة يحفظها لشاعر مجيد، فيلقيها بصوته الشجي الأخاذ، فالرشيدي متمكن في إلقاء الشعر وصوته جهوري ممتع، واحتفظ له في مكتبتي بتسجيلات عديدة لشعر المتنبي وجمعة بن سليم بن هاشل وحافظ إبراهيم وشوقي وأبو الحسن التهامي وبشر بن عوانه... يلقيها بصوته، ويبرع الصديقان سعيد الكندي وأحمد الصواعي ـ كيف لا؟ وهما واسعا الثقافة وقراءاتهما ومتابعاتهما متنوعة واستقصائية ـ في اختيار المواضيع والقضايا الفكرية والأدبية والاجتماعية التي تحفز على النقاش والتفكير وتبادل الخبرات والرؤى والمعرفة وتستثمر الرفقة لتجديد وتنشيط الفكر وتعميق الفهم، والاستزادة والارتواء من بحر العلوم الزاخر كلما أمكن ذلك، فصحبة صديق مثقف واعٍ ومسؤول ومدرك لما يحدث من تحوُّلات ومتغيرات محلية وعالمية، علمية وفكرية، قادر على التحليل والقراءة العميقة وتقديم الرأي، ميزة أخرى مهمة تضاف إلى منافع السفر وفوائده الكثيرة. الإجازات الأسبوعية ومواسم المناسبات التي نجهلها وتتسبب في غلق الأسواق ومواقع الترفيه... وضعف الحركة السياحية في الشمال الإيطالي تأثرا بما حدث فيها من خسائر "كوفيد١٩" البالغة، وما رافقه من إجراءات احترازية مشددة كما يبدو من انكماش وإغلاق الكثير من المشاريع والمرافق السياحية، والبرد الذي لا يزال قارسا... جميعها أعاقت بعض بنود أعمالنا مثل زيارة أكبر مصنع مربى هناك، والتسوق، والحجز لرحلات في القوارب المائية والتلفريك وغيرها من المقاصد، والتي كانت مغلقة للأسف الشديد، فاستعضنا عنها بالارتماء في أحضان الطبيعة التي تتزين وتتجدد وتتأنق فتتبدل ألوانها وأشكالها وفقا لحركة الزمن وتبادل المراحل في الليل والنهار. أثناء تجوالنا الاستكشافي بين الحارات والأزقة بعد احتساء فناجين القهوة وتناول فطائر التفاح في قرية "فورنيكو"، تراءى لنا من أطرافها، مبنى فخما أغرانا بمتابعة سيرنا لزيارته والتعرف على أغراضه ومهامه وقيمته التاريخية، فإذا هو كما تبين لنا أمره، مقبرة مخصصة لسكان القرية، وكل مدفن "قبر"، تحتوي لوحته التعريفية على عدد من الصور والأسماء ومعلومات تتضمن سيرة موجزة للميت وتاريخ ولادته ووفاته، وبعد سؤال طرحناه على زائرة لرفات قريبها من سكان القرية، أوضحت إجابتها بأن كل مدفن من مدافن المقبرة تمتلكه عائلة، فيدفن المتوفى الأول في مستوى عميق جدا، ومن يموت بعده يدفن أعلاه، وهكذا إلى الطبقة الملامسة لسطح الأرض العلوية، ثم تبدأ العملية من جديد في مدفن آخر. في صباح اليوم الرابع انطلقنا إلى مدينة "فلورانسا"، محطتنا الثالثة في برنامج الرحلة، والكون من حولنا يختال زهوا بأشعة الشمس التي تسكب دفئها وضوئها على قمم الجبال والسهوب والأنهار، وتتوغل في الغابات وبين ثنايا الأغصان والأشجار الضخمة والشاهقة، وكانت القرى المعلقة في قمم الجبال، والأخرى التي تتوزع بين السفوح والسهول، أشبه بلوحة فنية اشترك في رسمها وأسهم في تشكيلها بهذا الجمال الفتان، المجتمعات الإنسانية والطبيعة على السواء، فهبة الخالق "الطبيعة"، والقرية التي أختار موقعها وبناها الإنسان، تشي بالتناسق والتكامل والتفاعل في التصميم واللون والشكل والمظهر العام، وكأنهما شيء واحد، والجمال والأناقة والذوق الرفيع، سمة مشتركة، والمباني المشوهة للمنظر العام، والعمارات الإسمنتية الشاهقة والشاذة لا مكان لها على امتداد هذه الأراضي الشاسعة، التي تراعي كقيمة أساسية من قِيَم الحياة وقانونا عاما لا يمسُّ، الحفاظ على عناصر الطبيعة والإضافة على جمالها الحقيقي إبداع إنساني آخر، وكذلك حماية البيئة من عبث البشر وشحهم وفسادهم. الأراضي الزراعية تسوى وتحرث وتسمد لموسم زراعي قادم، وبساتين العنب والفراولة والتفاح وغيرها تمتد إلى ما لا يصل إليه البصر، والجبال تتعرى تدريجيا من الأشجار والأعشاب والاخضرار وبياض تجمد المياه، فتظهر وجهها الطبيعي الخالي من التزين والتبرج. كان قرار المرور على مدينة "تورينتو" عاصمة إقليم "ترينتينو ألتو أديجي" التي تحف بها جبال "الدولوميت" الصخرية الشاهقة، ويضفي عليها نهر "أديجي" مزيدا من الأبهة، لا مناص من اتخاذه، لجمال عمارتها، وتناسق مبانيها، وأناقة أزقتها وميادينها، وبذخ كنائسها وكاتدرائياتها، ومذاق مخبوزاتها اللذيذة، وصروحها الحضارية الكثيرة، وفتنة قلعتها التاريخية، "كاستيلوديل بونكو نسجليو"، أو "مجمع القلعة"، الذي بني في القرن الثالث عشر الميلادي، التي تبهر الزائر بمتانة أساساتها وجدرها، وأناقة شرفاتها وأعمدتها، وضخامة مرافقها وعلو طوابقها... فاستغرق التطواف فيها ما يقارب الأربع ساعات، كانت كافية لتشعرنا بتفرد وتميز المدن الأوروبية عن قريناتها في الدول الأخرى من العالم. فيما تعد بحيرة "جاردا" التي قضينا وقتا ممتعا على ضفتها المحفوفة بالحدائق العامة واللمسات الجمالية، أكبر بحيرة في إيطاليا، وقد استثمرت كوجه سياحية مهمة، بإقامة العديد من الفنادق والخدمات والمشاريع السياحية والمقاهي والمطاعم الحديثة... فالسياحة في العالم تثري وترفد الميزانيات العامة للدول.