سعيد بن سليمان الكندي
جمعتني بواضع هذا الكتاب صحبة تواصلت لما يقرب من الثلاثين عاما، كان القاسم المشترك فيها زمالة العمل في مجلس الشورى، مهدت فيما بعد لقواسم أخرى عمقت العلاقة ووطدت الصداقة، أهمها صحبة الكتب، السفر، وجلسات المقاهي التي تفتح الأبواب لتبادل الرأي والفكر والثقافة، والتي هي بمنزلة نوافذ مشرعة للنقاش مع العديد من الأصدقاء حول ما نقرأ من كتب، فالكاتب ذو شخصية جذابة صادقة لطيفة محببة طيبة القلب، وذو عاطفة جياشة وذهن متوقد، عرفته عن قرب راصدًا حذقا لمجريات الأمور، مراقبا للتحولات الاجتماعية لمجتمعه المحيط به؛ حال سكونه وفورته، والذي كان هذا الكتاب نتيجة لهذا الرصد والتحولات، والتي أعطته هذه الصبغة الشاملة. وقد خصني الكاتب بقراءة الكتاب في نسخته الأولى قبل الطبع، من باب الاطلاع والاستئناس بالرأي، كوننا نتشارك الهم نفسه، ونمتح من معين واحد، وهو تشابه بيئتينا التي نشأنا بين جنباتها، وتربينا تحت ظلالها.
الكتاب يبدو من عنوانه أنه يحمل ثلاثة مسارات، هي: إسهامات العمانيين الاجتماعية والعلمية والفكرية. يقع في 300 صفحة تقريبا من القطع الصغير، وقد صدر عن دار مؤسسة لبان للنشر بطبعته الأولى 2020م، ورغم صغر حجمه إلا أنه كبير في مضمونه؛ ويرشح من جنباته دفق البيئة التي تختزن الكثير من المفردات التي تحتاج الى إعمال المشرط حال وضعها على طاولة المشرحة. ولعل الوقوف على كلمة “إضاءة“ الواردة في العنوان، لربما تقدم النزر اليسير مما يختزنه الكاتب في جعبته، فهو بإمكانه الإبحار الى أبعد مدى في هذا المحيط اللجج، ويستطرد في موضوعاته، وعسى الزمن أن يمهله في وضع مقدمة متكاملة على غرار”مقدمة ابن خلدون“، وأن تكون مقدمة للقطر العماني المميز بأقاليمه، وطرائق معيشة الشخصية فيه بجغرافيتة المتنوعة. فالقارئ لهذا الكتاب يجده سهلا ممتنعا، اعتمد كاتبه على لغة البساطة والتلقائية بعيدة عن التكلف، وهي أقرب إلى ذات القارئ؛ فهو لا يحتاج إلى مصادر يرجع إليها أو معنى كلمة يتقفاها، أو تقليب أمور يصعب فهمها. كما أن الكتاب لم يأتِ بفصول محددة تختص بموضوعاته، ولكنه احتوى على ما يقرب من عشرين عنوانا حسب موضوعاتها، ولعل تداخل العناوين مع المتن أعطى حرية التناول لاتصال الموضوعات وتداخلها ببعضها، فالكاتب غالبا ما يضمن العنوان الواحد الإسهامات الثلاثة مجتمعة.
لقد حافظ الكاتب على أسلوبه الكتابي في موضوعاته كافة، وقد قارب في بعض الأحيان اتخاذ السرد القصصي أو ما يشبهه؛ لأن الكتاب في حد ذاته ماضٍ إلى الجدية في الطرح كأسلوب وصفي تقريري، بعيدا عن القص، ولم يقارب ذلك إلا لدفق عاطفي أولجه إلى ذلك؛ لأغراض متطلبة لبعض المحتوى الذي يتلاءم مع ذلك الطرح. وعلنا هنا أن نشير إلى عنوان “وفاء“؛ وهو العنوان النموذج الذي يقاس عليه هذا الأسلوب، وهو العنوان الشارد الذي شذ عن القاعدة. والكتاب في سمته لا يخلو من اللطائف والنكات والطُّرَف والمُلَح والقصص والحوادث والنوادر وأبيات الشعر، فهي كالملح للطعام، فقد أعطت هذه المكونات راحة للقارئ، وأدخلته عالما من المتعة الحسية، وهي لم تأتِ اعتباطا، بل قصدت قصدا في مكانها، فهي عين الموضوع وليست بمنأى عنه. وإذا طفنا حول عناوين الكتاب فإننا نجده ينطلق في محوره الأول والأهم، لكيفية بناء الشخصية العمانية، كون الإضاءة الفكرية تنطلق من ذهنيته لإحكام منظومته الحيوية لبناء النسيج الاجتماعي والعلمي، اللذين يعملان كالسداة واللحمة في حوك هذا النسيج، وتكييف هذه الشخصية لنفسها مع تنوع بيئاتها وتعدد مناخاتها، مستغلة كل شبر لصالحها. كما طاف وهو يحمل في طياته هذه الأرض الطيبة من القرية ومكوناتها المتواضعة وأفلاجها وحقول نخيلها وتقسيم مياه أفلاجها ونظم السقاية التي كانت تعتمد في نظمها على النجوم والمواسم والساعات الشمسية، والأودية التي تغذي آبارها، وعندما نقول هنا قرية فإن ما يعنيه الكاتب جميع السمات والخصائص التي تؤلف القرية العمانية وإن اختلفت أمكنة وجودها في التوصيف لرؤية بصرية واحدة متكاملة، مستخدما لذلك إمكانياته المسجلة الراصدة لدقائق الأمور، وتنقل واضع الكتاب الواسع في رحلاته الداخلية أو أسفاره المتعددة؛ فنرى ذلك جليا في كون القرية هي الكائن البدائي والفطري الأول التي تنبثق منه الحيوات الأخرى.
كما ينقلنا الكاتب إلى مكونات الحارات القديمة وعبقرية الإنسان العماني في اختيار مواقع بناء هذه الحارات المثالي، بما يشبه كيانه دولة صغيرة بمكوناتها المتطلبة لذلك، فالواقع المعماري هو أول ما يكون في تكوين المدن وتوسعها، معرجا إلى شموخ البنيان وفنون الهندسة المعمارية ذات الأعمدة والزخارف الباذخة، وبناء الأسواق وتنظيم عملها، وتكوينها العام ومرافقها من المدرسة والمسجد ودورهما في تربية النفس وتقويمها على العلم والأدب والعبادة، إلى السبلة وماضيها ودورها في إحداث صورة مؤثرة ومباشرة في تداول الرأي والمشورة بين أفراد المجتمع، كما ينقلنا إلى المستكشفات الاثرية والتراث والصناعات التقليدية، وخوض الربابنة العمانيين لجج أعالي البحار بأساطيلهم التجارية والحربية، والقيم والعادات والتقاليد. والبناء الفكري والعلمي للشخصية العمانية؛ من تآليف وآداب وعلوم وفنون ورسائل وحلقات علم، ودور هذه المعطيات في إبراز المجتمع وصقل الشخصية العمانية من حيث قيم الحرية والمواطنة والمواقف النبيلة الشجاعة، إلى الجوانب العسكرية والدفاعية التي هي من صنع الظروف التي حتمت على الإنسان العماني اتخاذ ما أمكنه للسيطرة على مقدراته والتوسع في رقعته كلما تطلبت الأسباب ذلك. كما أن قيم التسامح بين العمانيين ومن أقام بين ظهرانيهم أو غيرهم من الشعوب أو الملل أوالنحل الأخرى حاضرة بقوة في الصلب، كما كان للمرأة نصيب وافر في إبراز شخصيتها الحقيقية التي لا تقل عن شخصية الرجل في موقعها. إلى أن يصل بنا الكاتب في نهاية المطاف إلى الصراع الأبدي بين الماضي والحاضر، وهذا من ديدن الحياة وطبيعتها في التجدد وعدم الثبات.
فالكتاب أشبه بمتحف حسي مكتوب يحوي بين جنباته تراثا استطاع الكاتب أن ينقل ما أدركه وأحسه وشاهده بنفسه من أجداده وآبائه الذي عايشهم في مراحل حياته، ونقل أنماط تلك الحياة في حقبة زمنية لن يستطيع أحد وصفها في صيغة كتاب إلا من تربى بين جنباتها.
ومن وجهة نظر متواضعة، فهو كتاب فريد في نوعه؛ يوثق القيم الاجتماعية والمفاهيم العلمية المثالية لما درجت ودربت عليه الشخصية العمانية في حياتها الماضية. ولعله لم يطرق أحد باب هذا الجانب بهذه الشمولية الدقيقة، وهنا علينا أن نضع خطوطا تحت هذه الكلمة لما تعنيه بكل صدق وموضوعية؛ لأنها قاربت الدخول في ذهنية وأعماق الشخصية العمانية. وما تجدر الإشارة إليه أن الكاتب ختم كتابه بعنوان (خلاصات ونتائج) وكأنه يؤكد بما ورد في كتابه، بأن هناك موضوعات ملحة تليق بأن يلقى الضوء عليها؛ لما لها من أهمية قصوى؛ بغية اللحاق بها قبل تحللها وفنائها، فالكاتب ينعي كل ما كان في نظره ماثلا للعين قد مات أو بات يحتضر، وهو غير قادر على الدفع بإنعاشه، فهو يرى القرية والسبلة والنخلة قد أصبحت من الضعف ما لا يحتمل، كما يطلب من المرأة أن تحافظ على مكتسبات الحياة وأن لا تفرط في مُثلها، والإبقاء على قيم التسامح والمواءمة التامة بين نسيج المجتمع بكافة أطيافه وبين مكوناته الشرائعية والعقدية والمذهبية، كما يدعو إلى الحفاظ على كل جميل من مقومات الحياة التي هي عماد الشخصية العمانية، فهو هنا يطلق صفارات إنذار مدوية تؤكد على أنه بموت هذه العناصر ستموت خلفها قيم وعادات وتقاليد وأعراف وأخلاق وتربة ستغدو غير صالحة لاستيلاد ما يشاكل ذلك مما عاصره وعرفه، وجاهد في المناشدة للحفاظ عليها.
اعتمد الكاتب في تحرير الكتاب على مراجع عدة، أهمها ذاته التي كانت تعيش كل عنوان واقع حياة، وسكب فيه من رحيقه بصبغة خاصة في جعل هذه الثيمات تنطق، أما المراجع الأخرى والمصادر فهي موزعة بين عربية ومترجمة لما كتبه الرحالة والأجانب والعرب والدراسات العمانية، والتي عضد فيها كل ما أراد قوله مستقيا ما أتاحته تلك المصادر لتقريب مكوناته التي تعرضت لمثل هذه الموضوعات وأشارت إليها.
وكما يقال (عن الأماني من الشيطان)، فعسى أن تتمكن الأجيال الحالية واللاحقة أن تطلع على مثل هذا المؤلف، أو ما شابهه فتعيد غرس قيم الأصالة وتربطها ضرورة بالمعاصرة، لأن مكتسبات العصر يجب أن لا تجحد، فإن فقدت الأجيال مثل هذه القيم فقد فقدت الكثير، وما لا يدرك كله لا يترك جله.