د. رجب بن علي العويسي
على الرغم من أن جائحة كورونا(كوفيد19) قد شكلت تحدِّيا للدول والحكومات، إلا أنها حققت الكثير من المكاسب على المنظومات الاجتماعية والاقتصادية عامة، وعلى المنظومات الصحية بشكل خاص، وحجم التقدير الاجتماعي الذي حظيت به في ظل تعاملها مع الجائحة والإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية التي بذلتها بالتنسيق مع الجهات المختصة، والتعاطف الحاصل مع الكوادر الطبية ـ خط الدفاع الأول ـ في التعامل مع الجائحة، وانطلاقا من مبدأ الاستثمار في الأزمات الذي رسمه جلالة السلطان المعظم في عاطر نطقه السامي بقوله: " تُمثّلُ الأزماتُ، والتحدياتُ، والصعوباتُ سانحةً لأنْ تختبرَ الأممُ جاهزِيتَها، وُتعَزِّزَ قُدراتِها، وقد فتحت الأزمةُ الراهنةُ المجالَ للطاقاتِ الوطنيةِ؛ لتُسهِمَ بدورِها، في تقديمِ الحلولِ القائمةِ، على الإبداع ِوالابتكارِ وسَرَّعَت من وتيرةِ التحوُّلِ إلى العملِ الرقميِّ وتوظيفِ التقنيةِ، في مجالاتِ العملِ الحكومي والخاص، على نحوٍ لم يكنْ لِيَجِدَ الاستعدادَ اللازمَ، والاستجابةَ المناسبةَ، التي وجَدَهَا في هذهِ الظروف".، وما حمله قرار اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد19) في الثاني والعشرين من مايو لعام 2022 القاضي بـ"رفع جميع التدابير والإجراءات الاحترازية في جميع الأماكن وجميع الأنشطة"، مؤشر وطني على انتهاء جائحة كورونا (كوفيد19)، والانتقال إلى مرحلة ما بعد الجائحة وكيفية توظيف المكاسب المتحققة في إعادة هيكلة جذرية لبنية المنظومة الصحية ومؤسساتها بالسلطنة؟
لقد شكلت جائحة كورونا مساحة إنعاش للمنظومة الصحية وما وصلت إليه من تقادم في بنيتها الأساسية الصلبة، سواء في قلة عدد المستشفيات المرجعية والمراكز الصحية المنشأة في العقد الأخير بحجة الظروف المالية، أو في بنيتها الأساسية الناعمة المرتبطة بالتشريعات والقوانين ونظم العمل وأدوات التشخيص والمواعيد والضوابط وجودة الممارسة الصحية، مما عكست صورة ذهنية سلبية عن المنظومة الصحية وأدائها، في ظل مؤشرات اتساع انتشار الأمراض المزمنة وغير المعدية في مجتمع السلطنة، إذ تشير إحصائية منظمة الصحة العالمية لعام 2018 بأن الأمراض غير المعدية مسؤولة عن حوالي 72% من إجمالي الوفيات في السلطنة، وأن وفيات أمراض القلب والأوعية الدموية بلغت ما نسبته 36% وشكلت المرتبة الأولى من بين الأمراض غير المعدية، ثم تلتها مجمل أمراض السرطان بما نسبته 11% كما بلغت وفيات مرض السكري بنسبة 8%.؛ حيث بلغت نسبة المصابين به في السلطنة 15.7% من البالغين، ونسبة ارتفاع ضغط الدم 33.3%، وارتفاع الكولسترول 35.5%، وأنه يوجد أكثر من 7500 مريض سكري في السلطنة سنويا، حيث يُعدُّ مرض السكري المسبب الأول للفشل الكلوي، كما تشير إحصائيات وزارة الصحة إلى زيادة الخمول البدني وقلة الحركة بين الشباب وأن 41.6% من العُمانيين يعانون من خمول بدني، إذ لا يمارسون نشاطا بدنيا كافيا، وترتفع هذه النسبة بين العُمانيات الإناث لتصل إلى 50.6%، أي نصف العُمانيات اللاتي لا يمارسن نشاطا بدنيا كافيا، الأمر الذي أدى إلى مشكلات زيادة الوزن وارتفاع مستوى الكولسترول وأمرض السمنة الأخرى، وعدم كفاية النشاط البدني لدى 38.6% من البالغين؛ وفي المقابل شكل زيادة الوزن والسمنة المفرطة ـ التي صنفت كأحد الأمراض المزمنة ـ تحوُّلا خطيرا في صحة المواطن حيث تجاوزت نسبة السمنة 66% وأن حوالي 25% من إجمالي الوفيات في مستشفيات السلطنة في عام 2016 كانت نتيجة أمراض القلب والشرايين التي تُعد السمنة أحد أهم مسبباتها.
وبالتالي حجم الدلالات التي تحملها هذه المؤشرات لتؤكد على أن التحدي القادم الذي تواجهه المنظومة الصحية بالسلطنة ما بعد الجائحة يفوق ما قبلها، وأن الطموحات المتعاظمة للدولة والمواطنين في أن تقوم المؤسسات الصحية بدورها بكفاءة أكبر وجاهزية أكثر باتت تضع هذه المنظومة تحت المجهر وأمام محاسبة مجتمعية، خصوصا أنها تأتي بعد مرحلة تقييم ومخاض فرضتها جائحة كورونا والتي تستدعي من المؤسسات الصحية جهدا أكبر وعملا أدوم وشراكة حقيقية وممارسة كفؤة في أروقتها لكسب ثقة المواطن فيها، وقناعته بأن المنظومة الصحية قادرة على الوفاء بالتزاماتها الوطنية والأخلاقية في أولويات رؤية "عُمان 2040" والتي تستهدف "تطوير نظام صحي رائد بمعايير عالمية من خلال توفير رعاية صحية شاملة وعادلة في مختلف محافظات السلطنة"، كما أنها تحمل في أولوياتها صون الإنسان العُماني وحمايته والمحافظة عليه من الأمراض التي باتت تهدد كيانه وترسم صورة قاتمة أمام ناظريه، وتؤسس لظواهر نفسية وفكرية سلبية يعانيها الشباب، فإن الإبقاء على المسار السابق لما قبل الجائحة، أو شعور المواطن بعدم حصول أي تقدم في المنظومة الصحية، وأنها لم تستفد من محطات الاختبار والتقييم التي جاءت بها الجائحة، مؤشر على استمرار فقدان هذه المنظومة لثقة المواطن فيها، والصورة السلبية التي ستنعكس على قناعاته حول المنظومة بأكملها، الأمر الذي يولد حالة من الامتعاض والسلبية لدى المواطن خصوصا مع زيادة العوارض المتعلقة بالنوبات القلبية والوعكات الصحية.
على أن تنامي حالة عدم الرضا والمشاعر السلبية من التأخير في المواعيد الصحية دون مراعاة لطبيعة المرض وأولوية العلاج، وعدم وجود تشخيص دقيق، أو جدولة واضحة تراعي طبيعة المرضى والظروف المرضية وسرعة التحوُّل في المرض وانتشاره، وبطء الإجراءات المرتبطة بالتشخيص والعلاج، وتدني فاعلية المراكز الصحية والتي تغلق أبوابها في وقت مبكر من اليوم مع الاستمرار في إغلاقها في الإجازات الأسبوعية، ومستوى قدرتها على تشخيص الأمراض أو احتواء المواطنين وطوابير الانتظار اليومية من المواطنين، والبون الشاسع بين تسجيل الحالات واكتشافها وبدء التشخيص، وعدم كفاية الأسرة في المستشفيات أو إلزام المواطنين بمستشفيات معيَّنة دون غيرها والتجاوزات التي تحصل في هذا الشأن وغير ذلك من الممارسات غير المسؤولة، وما سببته من خلل في أداء المنظومة الصحية، يضع من عملية التبكير في إعادة هيكلة المنظومة الصحية بالسلطنة أولوية لا تقبل التأخير، وخيارا استراتيجيا مصيريا يجب أن تحظى باهتمام الحكومة، لتتسع لكل تفاصيل المنظومة بدءا بهيكل المنظومة ذاتها والمستويات التنظيمية والإدارية والتخطيطية، وموقع الأطباء والكادر الطبي، والحقوق والواجبات، والحوافز والصلاحيات، والمسؤوليات وضوابط عمل المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة وقانون المهن الطبية، وحقوق المواطن الصحية، وجودة الحياة الصحية، وكفاءة المؤسسات الصحية والإجراءات الثابتة المرتبطة بالتشخيص وتسجيل الأمراض والجلسات العلاجية والمواعيد وكفاية غرف التنويم والعناية المركزة وغيرها كثير، وبما تتطلبه مسألة إعادة الهيكلة من التزامها معايير وموجهات أكثر شمولية واتساعا ودقة يكون من بين أولوياتها إعادة تنظيم المراكز الصحية المنتشرة في الولايات وتطوير آليات عملها وتعزيزها بالكوادر الطبية المخلصة، وتأهيل بنيتها الأساسية في التعامل مع الاحتياجات اليومية لها من المواطنين، ورفع مستوى أدائها المهني بحيث تعمل على تشخيص الأمراض المزمنة ومتابعة العلاج المقدم للمرضى، وتبني برامج صحية أكثر ابتكارية واستدامة في محيطها المكاني، الأمر الذي سيكون له أثره الإيجابي في التقليل من فجوة زمن المواعيد في المستشفيات المرجعية والمجمعات الصحية، والتوظيف الأمثل للكوادر الطبية، وفي الوقت نفسه يفتح المجال لبناء منظومة صحية فاعلة متوازنة قادرة على استيعاب أحداث الواقع الصحي وتسارع مستجداته والتعامل مع الإخفاقات التي وضعت القطاع الصحي بالسلطنة على المحك، وأصبح غير قادر على احتواء المواطن العُماني واستيعابه من الخروج للعلاج خارج السلطنة، أو تأكيد مستوى صحة التقارير والكشوفات التي أجريت له في المؤسسات الصحية الوطنية، بالإضافة إلى إعادة الثقة في المؤسسات الصحية الحكومية في ظل المدلولات الخفية من وراء إغلاق المراكز الصحية في فترة مبكرة من اليوم لتوجيه المواطنين إلى المؤسسات الصحية الخاصة، لتضع في أولوية الهيكلة تبني سياسات صحية كفؤة ومستدامة وقادرة على التكيف مع مستجدات الواقع الصحي، واحتواء الأمراض المزمنة غير المعدية وغيرها التي باتت تهدد المكوِّن الإنساني، وتبسيط الإجراءات وآليات العمل وتجديدها، خصوصا ما يتعلق منها بمواعيد المستشفيات والمراجعات الدورية وتهيئة المستشفيات والمؤسسات الصحية وتأهيلها كبيئات صحية عالية الجودة وتأهيلها التأهيل المناسب الذي يضمن قدرتها على تقديم خدماتها الصحية بكل كفاءة وإتقان.
وإذا كانت حكومة السلطنة تتجه في رؤيتها المتعاظمة 2040 إلى تعزيز السياحة الوافدة ومنحها فرصا أكبر في بنية اقتصاد السياحة، فإن من بين الأمور التي يمكن أن تشكل فرصة وطنية في استمرار تعزيز هذه السياحة هو تأصيل وجود السياحة العلاجية في السلطنة في ظل المقوِّمات الوطنية التي يمكن أن تتيح للسلطنة فرص الحصول على هذا الاستحقاق ورفع كفاءة الأداء الصحي للمؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء، وبناء قدرات ونماذج صحية تصنع الفارق في منظومة العمل الصحي وإثبات مساحات قوة لها عبر الاختراعات والاكتشافات الطبية، وتعزيز شركات الإنتاج الطبية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز من الهُوية الصحية الوطنية، فالخيارات واسعة، والفرص متعددة إن وجدت من يستثمرها بإخلاص ويضع يده عليها بأمانة، والمبررات التي أشرنا إلى بعضها كفيلة بالمراجعة. وتبقى الإرادة الواعية والصادقة من المؤسسات الصحية والقائمين عليها، الرهان الأكبر في تحقيق معادلة القوة، وعبر تمكين المؤسسات الصحية وتعزيز صلاحياتها، وإعادة هندسة العلاقة مع المواطن، وإيجاد منظومة تقييم واضحة للممارسة الصحية، وتفعيل دور مجلس الاختصاصات الطبية كداعم ومحفز للكفاءة الوطنية وخلق الفرص واستيعاب الكوادر الطبية. وتبقى مسألة التوأمة والربط الشبكي والإلكتروني في عمليات التشخيص ونقل البيانات وتداولها بين مختلف المؤسسات الصحية الحكومية التابعة لوزارة الصحة ومستشفى جامعة السلطان قابوس ومستشفى القوات المسلحة ومستشفى شرطة عُمان السلطانية والمؤسسات الصحية الخاصة، أحد المرتكزات التي تؤطرها عملية إعادة الهيكلة في بنيتها.
أخيرا، لقد آن الأوان لأن يتحول حماس القائمين على المنظومة الصحية في السلطنة في زمن كورونا، إلى واقع عمل اليوم كحسن بادرة لإثبات صدق التوجُّه وإخلاص النية وعبر تطوير مقنن وواضح وشامل وجذري لكل مكوِّنات المنظومة وتفاصيلها والفاعلين والمؤثرين فيها، وإعادة تأهيلها وتهيئتها بما يتناسب وطبيعة المستقبل الذي على ما يبدو سيعيد سيناريو جائحة كورونا من جديد وبأساليب مختلفة، فليحسن القائمون على الأمر تلبية طموحات المواطنين، ووضع صحة المواطن أولوية إنسانية ووطنية وأخلاقية، والتي باتت على المحك في ظل تراكمية الأمراض واتساعها وانتشارها ودخول النشء العُماني في سن الشباب كمغذٍّ لهذه الأعداد الكبيرة من الواقعين تحت خطر الأمراض المزمنة والسرطانات المتوحشة والعياذ بالله. نعم آن الأوان إلى الالتفات إلى الواقع، وإدارة الظهر للتصريحات الإعلامية وشاشات الكاميرا والظواهر الصوتية التي باتت تأخذ الوقت وتسلب الجهد وتبدد الإنجاز وتحجم العطاء، آن الأوان للعمل بروح الوطن وإنسانيته وتقليل لغة الأعذار المالية والمادية والبشرية لتخرج إلى الواقع، وعندها تتحدث المؤسسات الصحية عن نفسها وتبرز ضجيجها في احتوائها للمواطن وتقديره لخدماتها.