محمود عدلي الشريف:أخي الصائم أختي الصائمة.. إننا ونحن نستكمل مسيرتنا نستثمر صومنا في هذا الشهر المبارك نقف عند محطة من أغرب ما تراه الأعين وتعيه الأفهام وتدركه العقول وتسمعه الآذان وتندهش منه الأنفس، وتجعل اللسان يسرع قائلا: سبحان الله العظيم، وهذه المحطةـإخوة الإيمان ـ هي حديث شريف يتحدث عن بقرة وذئب كلاهما تكلم كالبشر، في منتهى العقلانية وعمق الفهم وحسن الإدراك، بل تجلت في كلامهما الحكمة، وتألق النور في جمال الخطاب. وإليكم ـ أيها الأحباب ـ هذا الحديث النبوي الشريف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: بَيْنَما رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ ـ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ـ وَمَا هُمَا ثَمَّ) (صحيح البخاري 4/ 174 وغيره)، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:(اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُكُوبَ الْبَقَرِ وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنْ تُذْبَحَ وَتُؤْكَلَ بِالِاتِّفَاقِ) (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 9/ 3910).فمن قديم الزمان والإنسان يستخدم الحيوان، في نقل بضائعه، وزراعته وحرثه الأرض، ومن هذه الحيوانات (البقر) فقد استخدمه الإنسان في الحرث والزراعة، ويعتمد عليها في الأكل والشرب إلى اليوم يأكل لحمها، ويشرب لبنها، وينتفع بها في الزراعة، وثروة حيوانية تشكل رأس مال، أما الحمار فإن كان لا يأكل لحمه، إلا أنه لا يقل أهمية عن البقرة، لأنه يحمله في الحر والبرد، ويحمل على ظهره ما يريد حمله من متاع وطعام وغيره، وكل ما يحتاج إليه من أشياء، كما أنه إذا احتاج إلي ثمنه باعه وانتفع بثمنه، (كائنات وجمادات تكلمت في القرآن والسنة، البقرة التي تكلمت ج1ـ ص9 باختصار).وقد يظن البعض أن الحيوانات بُهم لا تفهم ولا تعي، ولكنها في الحقيقة تدرك تمامًا ما تفعله، وتعلم من يملكها من غيره، وقد رأيت بأم عيني سرق رجل حمارة في غفلة من صاحبها، وظلت عنده الحمارة أياما، ولما وجدت الحمارة فرصة هربت منه ورجعت إلى صاحبها الذي يملكها، (لأن البهائم تنقاد من يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسئ إليها وتطلب ما ينفعها وتهرب ممّا يضرها، فالأنعام تعرف خالقها وتسجد له وتسبح له بحمده وتعقل وان كان تعقلهم غير مدرك للعوام ، وللبهائم نفس وهوى، فان الانعام ان لم يدركوا الحق حقّا والباطل باطلا فهم لا يزعمون الحق باطلا والباطل حقا فالأنعام في جهل بسيط) (التفسير المظهري 7/ 30)، و(فِي هَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ نُطْقُ الْبَقَرَةِ وَنُطْقُ الذِّئْبِ بِكَلَامٍ مَعْقُولٍ مِنْ خَصَائِصِ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، مِمَّا اسْتَعْجَبَ لَهُ النَّاسُ وَسَبَّحُوا اللَّهَ إِعْظَامًا لِمَا سَمِعُوا، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَدْفَعُ هَذَا الِاسْتِعْجَابَ بِإِعْلَانِ إِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِهِ، وَيَضُمُّ مَعَهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، لِعِلْمِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُنْكِرَانِ مَا ثَبَتَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ لِمُجَرَّدِ اسْتِبْعَادِهِ عَقْلًا. وَقَدْ أَخْرَجَ لِقَوْمِ صَالِحٍ نَاقَةً عَشْرَاءَ مِنْ جَوْفِ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْطَقَ الْحَصَا فِي كَفِّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 8/ 11).وأما عن الجزء الثاني من الحديث وهو الكلام عن الذئب وحديثه، فقد جاءت روايات كثيرة تدعمه، منها ما جاء في (المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة 2/ 201):(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، قَالَ: فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ، فَأَقْعَى وَاسْتَذْفَرَ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْتَزَعْتَهُ مِنِّي. فَقَالَ الرَّجُلُ: تَالَلَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبًا يَتَكَلَّمُ قَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ، يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ. وَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَسْلَمَ وَخَبَّرَهُ، وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا أَمَارَةٌ مِنْ أَمَارَاتٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يَرْجِعَ حَتَّى تُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ وَسَوْطُهُ مَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ) (أحمد: 8063)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف.وهنا جاءت جملة من كلام الذئب تحتاج إلى توضيح وهي قوله:(فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي)، قال ابن الأثير في (النهاية 2/336):(قال ابن الأعرابي: السبع بسكون الباء: الذعر، سبعت فلانًا إذا ذعرته، وسبع الذئب الغنم إذا فرسها، أي: من لها يوم الفزع، وقيل: أراد من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملًا لا راعي لها، نهبة للذئاب والسباع، فجعل السبع لها راعيًا إذ هو منفرد بها، ويكون حينئذٍ بضم الباء)، وهذا إنذار بما يكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها مواشيهم فتستمكن منها السباع بلا مانع، والصحيح الذي رجحه النووي في (شرح مسلم):(أنها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها منهبة للسباع، فجعل السبع لها راعيا، أي: منفردًا بها) مسند أحمد (12/ 306)، قال الحافظ ابن حجر:(وقد وقع كلام الذئب لبعض الصحابة في نحو هذه القصة فروى أبو نعيم في الدلائل عن أهبان بن أوس قال كنت في غنم لي فشد الذئب على شاة منها فصحت عليه فأقعى الذئب على ذنبه يخاطبني وقال من لها يوم تشتغل عنها تمنعني رزقا رزقنيه الله تعالى فصفقت بيدي وقلت والله ما رأيت شيئا أعجب من هذا فقال: أعجب من هذا! هذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين هذه النخلات يدعو إلى الله قال فأتى أهبان إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره وأسلم فيحتمل أن يكون أهبان لما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك كان أبو بكر وعمر حاضرين ثم أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك وأبو بكر وعمر غائبين فلذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر، ويحتمل أن يكون ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما وهذا أليق بدخوله في مناقبهما) (فتح الباري لابن حجر 7/ 27). والخلاصة: أنه يحب على المسلم أن يُصَدِّق بالأخبار التي صَحَّ بها السندُ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مهما كان الخبر مستغربًا عقلًا.