د. جمال عبد العزيز أحمد :إنَّ قواعدُ التجويد ليستْ فقط قواعدَ نظرية جافة، ولا ضوابطَ لا تتصل بالمعنى، أو تتساوق مع دلالات السياقات القرآنية، وإنما تشارك في كشف الدلالة، وبيان المعنى القرآني الدقيق المراد، وإيضاح هدف، ومقصد الكتاب العزيز، فمثلا إذا كان القرآن يتكلم عن الحياء وَجَدْتَ الإخفاء يأتي كثيرا، ورأيت الاقتصار على الأركان الأساسية للجملة دونما زيادة، وتتعدد الحذوف في التراكيب القرآنية حياء وتضاغطا، وإذا كان السياق يتكلم عن الكبر، والصلف وجدتَ أصوات الحروف العالية، والنبرات القوية، وتجهم الحروف واكفهرار وجوه الكلمات، وتقطيب جبين الجمل، وتجد المد المنفصل، والمد المتصل، والمد اللازم، والإظهار يتخلل الآيات، وإذا كان يتحدث عن الخوف وجدتَ الحروفَ المهموسة، والهاءات تكثر في الكلمات، وشحوب صوتِ الحرف الوارد في نقل المعنى، وإذا كان الحديث عن الحق الأبلج، والتعظيم وجدتَ حروف الإطباق والتفخيم باديةً بأعلى مراتب التفخيم، وتوارى الترقيق جانبًا، وجاءت حروف القلقلة لتوضح قوة المعنى بقوة الحرف وقلقلته، واضطرابه عند الوقف على حرف من حروف القلقلة، وإذا كان هناك كَرٌّ، وفَرٌّ، وحربٌ، وجهادٌ وجدت حروف القتال هي السائدة، والصوت المرتفع المجموع في قول أهل التجويد:(قطب جد)، وحرف الراء وما به من صفة التكرار، والإدغام الذي يبيِّن أثر الضرب، والدعك، وتداخل السيوف، واحتدام القتل، وارتفاع الأصوات هنا وهناك، ونحو ذلك، وإذا كان الحديثُ عن قدرة البشر المحدودة، أو الحديث عن سكرات الموت، والضعف الإنساني وجدتَ السكتَ وحروف الهمس، والهاء، ونحوها مما لا يكاد يُسمَع له صوت، اللهم إلا الهمس، وحتى نتجاوز هذا الكلامَ النظريَّ نتعجَّل بذكر نماذج متعددة لتلك المعاني؛ لنوضح دور التجويد، وقواعده في نقل المعنى القرآني المراد، والدلالة السامية، والقيمة المقصودة، ونجد ـ من غير ما شك ـ كيف ترتبط القاعدة التجويدية بالدلالة السياقية وتوضيح المعاني القرآنية المرادِ نقلُها في تلك الآية، وما قبلها، وما بعدها، وما يرتبط بها من اسم السورة، وغيرها من أوجه الربط، والارتباط والتداخل.يقول الله تعالى موضِّحًا كبر فرعون، وصلفه، وما تربَّى عليه من الخيلاء، وسمة الكبرياء، وعدم الرضوخ للحق إذا ظهر له حتى ضاعت منه الفرصة، وكان يمكنه أن يتداركَ حالَه، لكنه ماتَ مغضوبًا عليه، وذهب ملعونًا إلى ربه، قال الله تعالى:(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس 90 ـ 92).في تلك الآية تعانَقَ التجويدُ، وتآلف من أجل بيان المعنى، وكشف الدلالة القرآنية التي تبيِّن طبيعة فرعون، وما اتَّسَمَ به من الكِبْر المتكبِّر، والغطرسة الطاغية، وكان يُشعر نفسه كاذبًا أنه الإلهُ الأسمى، والربُّ الأعلى، وما يدري المسكين أنه أحقرُ من الذبابة، وأصغر من البعوضة، وجاء السياقُ مترابطًا مع قواعد التجويد، ومتناغمًا مع ضوابطه، وكذا متسقا مع معطيات قواعد العربية، وضوابطها، قال تعالى:(حتى إذا أدركه الغرق) (إذا) ظرف يفيد تحقيق ما بعده، واستمرار ذلك مستقبلا، وإدراكُ الشيءِ تحقُّقُه الكاملُ، و(الغرق) هنا فاعل مؤخر وجوبًا، والهاء ( في: أدركه) مفعول به مقدم وجوبًا، فكأن الغرق يُحْسِنُ فهْم مهمَّته، ويُدرك قيمةَ ومعنَى وظيفته: أنه سيكون السبب في هلاك ذلك الملعون، فراح يُنفِّذ مهمةَ ربِّه في إغراقه في منتصف الْيَمِّ، فماذا قال فرعون حينئذٍ، وقد دخل دخولا تامًّا في الفَخِّ، وأحاطت به المياهُ، ولُجَجُ البحر من كلِّ مكان، وما عاد يلوح في الأفق سببٌ للنجاة، وأيقن بالموت، فانظر كيف جاء التركيب القرآني، وكيف تعانق التجويد، وقواعده في بيان الكبر، وكشف الغطرسة، ورسم الصلف الذي انطوى عليه قلبُ هذا الكافر:(قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فالفعل: (قال) مكون من ثلاثة أحرف؛ ففيه حرف القاف، وصوته عال، فهو من حروف الإطباق، والتفخيم، والألف جوفية تخرج من حناياه، وعُمْقه، وفؤاده، واللام تخرج ـ كما هو مقرر في علم الأصوات وعلم التجويد ـ من جوانب الفم، أيْ أنه قالها بصوت مرتفع، يستغيث، وبملء فيه يتكلم، وحديثه خارج من أطواء جوفه، وهو بعيدٌ بعيدٌ في منتصف اليمِّ، يرفع عقيرته، وينادي بأعلى صوته، حتى انتهى الهواء من جوفه، ولكنْ، دونما مجيب.