د. رجب بن علي العويسي:إن الأسرة كيان المجتمع، ومرتكزه في تنشئة الأجيال، وبناء الأوطان، وصقل الناشئة لتمارس دورها في الحياة ومهامها الوظيفية في كل مواقع المسؤولية بكل مهنية وإخلاص. ولقد وضعت الشريعة الإسلامية الحدود والقواعد والأسس والموجهات والأحكام الشرعية التي تحافظ على كيان الأسرة، وعبر البناء الصالح القائم على الزواج الشرعي، وهو رباط مقدس يؤصل لحياة الاستقامة على النهج، وترسيخ عرى المودة والرحمة والسكينة والعطف والحنان والتعاون والشراكة، وتعظيم مفاهيم الحوار والطهر والعفاف واحترام المشتركات وتقدير الخصوصيات بين الزوجين وداخل الكيان الأسري، كما عملت على حمايتها من كل ما يقوِّض بنيانها أو يسيء لمعدنها أو يؤدب إلى اضطراب هُويتها، أو إلى اختلال توازنها ونفوق قِيَمها مبادئها، وضمور قوَّتها، في مواجهة التحدِّيات والظروف والمتغيرات، خصوصا تلك التي شاءت الإرادة الكونية أن تحصل في محيط الأسرة وترتبط بطبيعة البشر، بما يحصل من طلاق واختلاف وشقاق بين الزوجين يؤدي إلى تشتت الأسرة ونقص مستوى الاحتواء للأبناء، وسدا لأي شبهة أو مدخل يؤثر في هذا البنيان الأسري. وجاءت التعاليم الربانية، وما جسدته سيرة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام والسلف الصالح بإحسان نموذج لبناء حياة الأسرة القائمة على الطهر والعفاف والمودة والرحمة والحب والعدالة والمساواة والاحترام والتعايش والتسامح، وتعظيم كل الفرص الداعمة للاستثمار في الأسرة وأبنائها؛ لبناء مجتمع قوي ووطن يصنع من الأسرة جسر عبور لبلوغ التقدم وتحقيق التطور الموازن، لذلك اتخذت الدولة من التشريعات القوانين والأنظمة ما يحفظ هذه الحقوق ويحافظ على كيان الأسرة، ويعمل على تماسكها في مواجهة الظروف والمتغيرات، والحفاظ على سلامتها من كل التأثيرات السلبية، لقد نتج عن دخول التقنية الحديثة وثورة المعلومات ووسائل الاتصال والتواصل الرقمي وغيرها في عالم النشء، أن سلبت التقنية دور الأسرة والضبط الاجتماعي والتأثير على منصَّات التربية الأسرية، وظهرت الدعوات إلى تبنِّي سياسات عالمية وإقليمية ووطنية وشراكات في الاستثمار الأمثل للتقنية، واستغلال كل الفرص الممكنة من سرعة الانتشار والتداول في البحث عن كل الفرص التي تضمن الاستفادة من هذه التفوق العالمي في التقنية في تعزيز الكيان الأسري والمحافظة عليه وتعميق روح المسؤولية بين أبنائه، وتقريب المفاهيم الأسرية والمجتمعية بشكل يتناغم مع قدرة الأبناء في التكيف معها، والاستفادة منها في إنتاج واقع أسري لا يتنصل من مسؤولياته الاجتماعية، أو يحاكم قِيَم مجتمعه وأخلاقه، وفكر الأبناء والأجداد، بل يستفيد منه في إيجاد روح التغيير وبناء الإرادة والعزيمة والأسرار على العيش في عالم متغير بما لا يفقده روح الأصالة أو ينسيه الفرص التي أوجدتها المدنية الحديثة، وبما يضمن وقاية الأبناء ورعايتهم وإبعادهم عن شبح الخوف والقلق والضياع والتشرد الناتج عن طلاق الوالدين أو سوء التفاهم الحاصل بينهما، بما ينعكس سلبا على الصحة النفسية للأجيال وكفاية مساحات الأمان والاحتواء والعاطفة والسلام الداخلي الذي يحتاجه النشء في مواجهة حالة الجنوح والتشرد التي يتعرض لها.وبالتالي شكلت هذه الموجهات مسار عمل المنظومة الوطنية العُمانية في رعاية الأسرة وإدارة شؤون حياتها اليومية، وفصَّل المشرع العُماني في ذلك الكثير مما يجسد روح الشريعة، ويؤسس لفقه الأسرة المسلمة، لذلك أوجد المشرع العماني من التشريعات والقوانين والأنظمة والأحكام ما يراعي عمق هذا الكيان والأبعاد المرتبطة به، وينأى بالأسرة عن كل ما فيه الضرر على الأبناء والزوجين وعلى المجتمع، بما يضمن تجنيب الأسرة كل مزالق الشطط والانحراف، لذلك جاء النظام الأساسي للدولة مؤطرا لهذا النهج، ومعززا للكيان الأسري باعتباره من أعظم الكيانات التي تحافظ على هيبة المجتمع العُماني وخصوصيته، حيث جاء في المبادئ الاجتماعية للدولة المشار إليها في المادة (15) منه، ذكر الأسرة صراحة، وقد ورد ما نَصُّه: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتعمل الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قِيَمها، وتكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وتلتزم برعاية الطفل، والمعاقين والشباب والنشء، وذلك على النحو الذي يبينه القانون".وأدركت القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ما يدور في فلك التقنية من محاذير، وما نتح عن الارتماء في أحضان التقنية من تأثير على فقه النشء وقِيَمه وأخلاقه، وقناعاته وأفكاره في ظل الاستغلال السلبي لها، والنظرة الضيقة في التعاطي معها، للقناعة بأن سلامة الأسرة وصلاحها وقوة التزامها بالمبادئ والموجهات، وحفاظها على المشتركات والأولويات، مرتكزات تضمن لها الريادة والقيادة، وتعزيز قدرتها على رسم معالم الطريق لحياة هانئة هادفة للأجيال؛ وقد قيل: ابني ابنك ولا تبني لابنك، والمعنى المراد من ذلك تعميق الرعاية الأبوية والوالدية للأبناء، وحجم ما يؤسسه الوالدان في ابنهما من القيم الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والجاهزية الفكرية والعلمية والنفسية والخلقية والدينية والسلوكية في إدارة شؤونه، وإعادة تقييم ممارساته، وصناعة الإلهام في تصرفاته، فلم يعد مؤشر التربية الوالدية يقاس بحجم الإنفاق، وتوفير الماديات، وتيسير سبل العيش لهم، وتلبية احتياجاتهم أو تأمين مستقبلهم، بقدر ما هو إعدادهم للحياة وعبر إكسابه العلم النافع والتربية الصحيحة والفكر السليم، وتعويده على فعل الخير، وإنتاج المعروف، والاعتماد على النفس والحكمة في إدارة المواقف، إنها باختصار الطريق للاستثمار في الأبناء، ليكونوا لبنة قوية في بناء وطنهم، وأبناء أوفياء يشد بهم الظهر.وهو ما جسَّده عاطر الحديث الأبوي السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أثناء لقائه بشيوخ ولايات محافظتي الداخلية والوسطى بحصن الشموخ في الرابع من يناير من عام 2022، وما أشار إليه جلالته في معرض حديثه من "أن تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي جزء من أصل المجتمع العماني"، وأنه "عندما يتشرب أبناؤنا عاداتنا وتقاليدنا والتمسك بالأسرة والمجتمع يتحقق نجاح المجتمع"، كما أن "التقنيات الحديثة وُجدت لخدمة البشرية، لكننا مع الأسف نستغلها بطريقة سلبية جدًّا، وقد أثَّرت على النشء، ليس في بلدنا وحسب ولكن في جميع أنحاء العالم". ووجَّه جلالته أفراد المجتمع إلى المحافظة على "إرثنا وترابطنا الاجتماعي، وعلى تربية أبنائنا وبناتنا التربية الصالحة"؛ عكس ذلك حجم الهاجس الأبوي لجلالة السلطان بالمخاطر التي باتت تؤثر في بناء الأسرة وتنشئة الأجيال وتربيتهم التربية الصالحة، واستشعار حجم المسؤولية التي تقع على المجتمع مؤسساته وأفراده في التعاطي مع هذا الأمر، وفي الوقت نفسه يطرح التوجيه السامي إطار عمل وطني متكامل في بناء الأسرة وتنشئة الأبناء، وعبر قيام منظومات المجتمع التعليمية والإعلامية والتدريبية والدينية والأسرية والتشريعية والقانونية والأمنية بدون استثناء بدورها في إيجاد توأمة بين الاستفادة من هذه التقنية في إيصال روح التغيير في حياة الأسرة لمزيد من العطاء والإنتاجية، والتثمير في مواردها الذاتية وبين المحافظة على مد خيوط الترابط والتكامل وجسور التواصل الأسري بتراث الأجداد وقِيَم الآباء، والموروث الحضاري القِيَمي العُماني ودور الأسرة في التعاطي الواعي والحصيف مع هذه المتغيرات التي باتت تسلب النشء إرادته، وتؤثر على هُويته وثقافته، آخذة في الاعتبار دور التقنية والشبكات المفتوحة في اتساع الظواهر السلبية كالتنمر، والحركات التحريضية كالإلحاد والنسوية وغيرها، بالشكل الذي يضمن المحافظة على الإرث الحضاري والمآثر الخالدة التي يتمتع بها المجتمع العُماني، والمرتكزة على مبادئ الإسلام العظيمة وقِيَمه السامية في تربية الأبناء والمحافظة على كيانهم، وتعزيز القِيَم الإيمانية والمشتركات والأخلاقيات في نفوسهم لصناعة الإنسان القادر على العيش في الظروف الصعبة.وبالتالي ما يتطلبه تحقق ذلك على أرض الواقع من أن تعمل المنظومات المجتمعية مجتمعة على إيجاد القوانين الضابطة لاستخدام التقنية أو إكساب الأبناء ثقافة التعامل الواعي معها وإدراك حجم المحاذير والتحديات الناتجة عنها، وتبنِّي سياسات تثميرية في الكيان الأسري والرعاية الوالدية للأبناء أكثر عمقا ونضجا تعمل على استغلال هذه المنصَّات وتوجيهها لصالح البناء المجتمعي وترقية الذات، وهو ما يؤكد الحاجة إلى الاستفادة من وجود الشباب ـ أكثر مستخدمي هذه المنصَّات ـ في تعزيز دورهم كداعم للتنمية وتحقيق الاستدامة والابتكارية في المنتج الإنساني، ونشر القِيَم والأخلاقيات، وتعزيز مفاهيم المواطنة الرقمية، والتعريف بالهُوية الوطنية ووقاية النشء من كل التأثيرات السلبية التي باتت تطرحها التقنية في ظل غياب دور الوالدية، وانسحاب الأسرة من الواجهة، حتى أصبحت هذه المنصَّات مصدر خطر للأجيال في ظل ما يصاحبها من إعلانات وتشويهات وإشاعات وردود قائمة على نرجسية الطرح ومزاجيه الردود، والتنمر الفكري، لتظل التوجيهات السامية خط سير للقطاعات المعنية بتربية النشء وتوجيهه وتثقيفه، في تقديم نموذج عملي مشترك يعمل على استدراك هذه المطبات، والمحافظة على النشء من أي تأثيرات، وضمان تعزيز البناء الفكري لدى النشء في مواجهة الحركات التحريضية وغيرها من الظواهر السلبية التي يتلقاها الشباب ومجتمع الصغار عبر المعلبات الفكرية في المنصَّات التواصلية والحسابات الوهمية وغيرها.أخيرا، فإن مرتكزات النطق السامي لجلالة السلطان المعظم بما حمله من دلالات وشواهد توجيه أبوي أصيل يستشرف الاستثمار الأمثل في الأبناء باعتباره من أعظم الاستثمارات، وترسيخ منظومة القِيَم لديهم، واستنطاقها في معالم حياة النشء اليومية ومواقفه المتعددة، ومحطة للتفكير خارج الصندوق في ميادين الاستثمار في الأبناء وكمال يقال "ابن ابنك ولا تبني لابنك"، دلالة على أن حُسن التنشئة وكفاءة التربية الطريق الذي يجب أن يسلك لصناعة مجتمع القوة، ويأتي في إطار إعادة الهيبة للأسرة العُمانية وتأكيد منهج التوازن في هيكلة بنائها والتجديد فيها بما يحفظ لها هُويتها العُمانية وما تنعم به من روح التسامح والتناغم والمشتركات الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية وتقاسم المسؤوليات والتي هي انعكاس لقِيَم الإسلام العظيمة الداعية إلى الحب والمودة والرحمة وبر الوالدين وزيارة الأرحام واحترام الجار وتوقير الكبير والعناية بالأسرة وضمان توفير كل مقوِّمات الأمن والسعادة والطمأنينة لها، وتجنيبها كل المسالك المشينة أو السلوكيات المريبة التي تتجانب وأخلاقيات الإنسان العُماني في وفائه لأسرته وتقديره لها، شواهد إثبات، ونماذج مضيئة، وقدوات راقية سطَّرها الآباء والأجداد في بنائهم الأسري.