محمد بن سعيد الفطيسي:الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة وما واكبها من تدخلات سياسية وأمنية، بالإضافة إلى التقاطعات والمصالح العسكرية والدروس والعِبر التاريخية والإنسانية يمكن الاستفادة والتعلم منها من قبل بقية الفواعل الدولية باختلاف أحجامها، خصوصا الدول الصغيرة منها، ولعل الدول العربية وهي المقصد والهدف من وراء هذا الطرح؛ يكون لها من وراء هذه الأحداث ما تستفيد منه وتتعلم. وهنا نطرح السؤال الآتي: ما أبرز الدروس والعِبر التي يمكن أن نتعلم منها كدول عربية على وجه الخصوص من الحرب الروسية الأوكرانية؟الدرس الأول: وافقت أوكرانيا في العام 1994 نتيجة رغبتها في الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي على تدمير الأسلحة النووية التي كانت تمتلكها؛ كونها امتدادا لتلك الامبراطورية، وتعد الترسانة النووية الأوكرانية وقتها ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم. طبعا لم يكن بالإمكان الموافقة على الاستقلال إلا بالتخلي عن تلك الأسلحة. ولكن نطرح هذا السؤال جدلا: ماذا لو لم تتخلَّ أوكرانيا عن أسلحتها النووية؟ ماذا لو كانت هذه الدولة اليوم تمتلك تلك الترسانة الهائلة من تلك الأسلحة؟ هل يمكن لروسيا أو غيرها من دول العالم تهديدها؟على العموم من أبرز ما يمكن الاستفادة منه من هذا الدرس التاريخي بغضِّ النظر عن معقوليته أو إمكانية المحافظة عليها حينها هو أن تخلي الدول عن سلاحها لسبب أو لآخر ستكون عواقبه وخيمة ونتائجه كارثية وهي الضعف والهوان. وأن امتلاك مصادر القوة بمختلف أشكالها من أبرز أسباب المحافظة على الاستقلال والكرامة.وبتصوري، إن كوريا الشمالية ـ على سبيل المثال ـ اليوم وبأسلوب تعاملها مع الولايات المتحدة الأميركية مثال واضح على تعلم مثل هذه الدروس. صحيح أن وراءها قوى كبرى لا يستهان بها أقصد الصين كداعم ومساند، ولكن الإصرار الكوري على امتلاك السلاح النووي رغم مخاطره على الإنسانية والعالم بأسره دليل على التعلم من الماضي. الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الأخرى مثال واضح على الإصرار والكرامة الوطنية لامتلاك حق استخدام الطاقة النووية للاستخدام السلمي. ويبقى الدرس الواضح من وراء ذلك أن الدول لا يمكن أن تشعر بالأمن والاستقلال إلا بامتلاك أسباب القوة الذاتية وعدم الاعتماد على الغير، خصوصا السلاح، والأجمل أن يكون ذلك السلاح صناعة وطنية. وهو ما نقوله لدولنا العربية اليوم؛ لأن الدول الغربية أو المصنعة للسلاح لن تسلمه كما هو للدول العربية، ولعل لنا مثالا حيا على الطائرات المسيرة التي كانت حكرا على القوى الكبرى، وها هي اليوم العديد من الدول تمتلكها.الدرس الثاني: أوكرانيا حليف قوي للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، تجمع هذه الدول بأوكرانيا علاقات قوية على مختلف الجوانب، كما أن بين أوكرانيا وهذه الدول اتفاقيات اقتصادية وأمنية وسياسية، ولا يمكن نسيان الاتفاقية التاريخية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية المسماة بمذكرة بودابست للضمانات الأمنية، وهي معاهدة دولية وُقعت في 5 ديسمبر 1994، ورغم كل ذلك دخلت روسيا إلى أوكرانيا أكثر من مرة، فماذا فعلت تلك القوى للتصدي للروس؟ ماذا نفعت تلك الاتفاقيات والصداقات أوكرانيا؟ حلف الناتو نفسه الذي ترغب أوكرانيا في الدخول إليه أين هو؟ لدرجة أن حلف الناتو نفسه صرح وبوضوح بعدم استعداده لقبول أوكرانيا في بنيته خلال الـ15عامًا القادمة، مبينا أن الناتو لم يدعم كييف حتى في الحرب.إذًا نقول: إن الاتفاقيات والصداقات التي جمعت أوكرانيا بتلك الدول لم تحمِها من الاجتياح الروسي، صحيح أنها نفعتها إلى حد ما في تأخير السيطرة الروسية أو القضاء عليها بشكل أسرع، صحيح أنها دعمتها بالمال والسلاح، ولكن بتصوري، إن هذا الدعم الأخير ليس مجانيا بل مقابل المال، ولكن تبقى العبرة في النتيجة النهائية، إن روسيا دخلت أوكرانيا، روسيا دمرت أوكرانيا، وإن الغرب بأسره وحلف الناتو لم يستطع منع كل ذلك.لذا نقول إن القوة الأهم والاتفاقية الأهم والدعم الأهم هو القوة الداخلية وتماسك الداخل الوطني، ومهما بلغ الاحتلال مبلغه فإن أخوف ما يخاف على أي شعب وأمة وطنية هي الضعف الداخلي، لذلك فإن الدول العربية اليوم مطالبة بإعادة النظر إلى عِبر التاريخ والتعلم منها، إعادة النظر في الأحداث الحاصلة حولها والتعلم منها، التعلم من التاريخ الذي يؤكد أن اختيار الصديق والحليف مهم للغاية، وأنه لا صداقات ولا عداوات دائمة في السياسة، وأن الاتفاقيات الأمنية والعسكرية لا تنفع في بعض الأوقات، خصوصا مع الدول الكبرى، إلا ما ندر. لذا يجب على الدول العربية أن تعزز تماسكها الداخلي، تعزز قوتها العسكرية الذاتية، تعزز تماسك مواطنيها مع حكومتهم، تعزز وجودها باستقلال قوتها بقدر المستطاع، وأن تتحالف مع بعضها البعض.الدرس الثالث: تُعد روسيا وأوكرانيا من أبرز مُصدِّري القمح العالمي، فهما معا يصدران ما يقارب الـ30% منه، في ذات الوقت تُعد الدول العربية من أبرز الدول المستوردة والمعتمدة في سلتها الغذائية على ذلك القمح ومن روسيا وأوكرانيا على وجه الخصوص، الأمر الذي رفع من مخاطر التهديد الناتج عن الحرب الأوكرانية الروسية على الأمن القومي العربي، بل ولعل البعض يؤكد أن هذه الحرب كشفت بعض أخطر مصادر التهديد على الأمن العربي في جانبه الغذائي. والمستغرب أن مثل هذه التهديدات ليست بالجديدة، بل يعلمها الجميع ومنذ عقود طويلة ولكن للأسف الشديد ما زال التهديد والمشكلة مستمرة حتى يومنا هذا.الغريب في الأمر أن الدول العربية نفسها تعد من أكثر بقاع الأرض قدرة على الزراعة والإنتاج والاكتفاء الذاتي، بالتالي لديها القدرة على حماية نفسها وسكانها من المجاعات والأزمات التي تحدث بين الحين والآخر وتتسبب بنقص الإمدادات أو حتى غلاء الأسعار مثل أزمة الغذاء في العام 2008 أو الحرب الأوكرانية الروسية في العام 2022، لعل السبب المباشر في مثل هذه المشكلة هو ضعف الاستثمار في جانب الزراعة ونقص الموارد المائية, والأخطر عربيا هو عدم التقارب والتعاون العربي الحقيقي فيما يتعلق بحل مثل هذه الأزمات الخطيرة.على ضوء ذلك، وإن كان من درس يجب أن تتعلمه الدول العربية من الحرب الروسية الأوكرانية فهو أنها ما زالت وبعد عقود من التعليم والمعرفة تتجاهل أمنها القومي العربي، تغفل أو تتغافل عن أن جزءا كبيرا من مهددات أمنها القومي هي المتسبب به، وعلى رأس تلك المخاطر الأمن الغذائي الذي ما زال جزء كبير منه في يد الدول المصدِّرة للغذاء، ورغم القدرة العربية على الاكتفاء فيما يتعلق بجانب الغذاء وعلى رأسه القمح ما زالت الدول العربية تستورد الكم الأكبر منه من الخارج، الأمر الذي يجعلها كحكومات وسكانها بشكل دائم تحت رحمة وضغوط وابتزاز تلك الدول، يضاف إلى ذلك دائما ما تبقيها تلك الحالة من الانكشاف والضعف في جانب الغذاء تحت مخاطر الأزمات والمشاكل الداخلية التي تتعرض لها تلك الدول نفسها. يقول الحق سبحانه وتعالى: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ» صدق الله العظيم (سورة آل عمران: 103).