د. رجب بن علي العويسي:كنَّا قد طرحنا في إحدى مقالاتنا بهذه الجريدة وتحت عنوان: منظومة قياس الأداء بحاجة إلى ممكنات، بعض الممكنات التي نتوقع أهمية وجودها في منظومة قياس الأداء الفردي والمؤسسي؛ كونها محكات أداء يؤدي الاهتمام بها إلى تحقيق نجاح هذه المنظومة، واليوم وبعد بدء تطبيق نظام إجادة لقياس الأداء الفردي في وحدات الجهاز الإداري للدولة المدنية، يأتي تأكيدنا على أهمية أن يصاحب هذا النظام حوكمة وتشريعات تضبط المسار وتوجه بوصلة العمل.ومع التأكيد على القيمة المتحققة من منظومة قياس الأداء الفردي والمؤسسي على الموظف والمجتمع الوظيفي والدولة، إلا أننا نتوقع بأن المرحلة الأولى من تسجيل الأهداف والنتائج واعتمادها، قد طرحت أمام الموظف الحكومي الكثير من التساؤلات المعمقة ووضعته في الوقت نفسه أمام هواجس كثيرة حول عملية التفاعل المتوقعة مع هذه الأهداف ودور المسؤول المباشر في التعاطي معها ومستوى إدراكه للمدلولات الأخرى التي يحملها النظام خارج إطار الهدف والنتائج الرئيسية التي حددها واعتمدت في مسار تقييمه، وبالتالي التكهنات حول مستقبل الموظف مع هذا النظام، وقدرته على عكس صورة ذهنية تفاؤلية بما يمكن أن يقدمه في سبيل تحقيق الأمان النفسي والفكري والمهاري للموظف الحكومي. فعلى الرغم من أنه أعطى الموظف انطباعا إيجابيا نحو التغيير، وإعادة هندسة الممارسة المهنية والوظيفية، إلا أنها تظل مجرد تكهنات غير مبنية على معايشة للفعل، كما أن الأدوات المستخدمة رغم أهميتها الاستراتيجية في تحليل الحالة الوظيفية للموظف، والسلوك الوظيفي القائم، وفهم الظروف والمتغيرات الداعمة أو غيرها في رسم خريطة الموظف الأدائية، إلا أنها ستظل مقاييس مجردة إن لم ترتبط بالواقع وتستند إلى الفعل، وتتوفر لها المحكات والمعايير والاستراتيجيات والبدائل، وتساندها الفرص والمبادرات والمشاريع التي تصف واقع الممارسة، وتبرز حقيقة ما يجري في الفعل الوظيفي، وتعطي صورة واضحة عن مسار التناغم بين الوصف الوظيفي والتغييرات التي يراد إحداثها في السلوك الوظيفي، وبالتالي مدى قدرة النظام على استدراك اللطائف النوعية في الممارسة المهنية، والوقوف على أفضل الممارسات التي تصنع للموظف استحقاقات التكريم، ولعل مبعث الهاجس والقلق الذي بدأ ينتاب الموظف الحكومي، تسارع الأحداث التي بدأت تفصح عنها بعض القرارات والتي يبدو أنها تتجه بالفعل الوظيفي إلى التعقيد ومنها قرار وزير العمل رقم (97/2022) بإصدار نموذج عقد شغل الوظائف الدائمة للعمانيين.ومع ذلك فقد ترك نظام إجادة لقياس الأداء الفردي تساؤلات واستفهامات عديدة، فمثلا ما شكل العمل القادم وآلية التقييم المعتمدة، وأين تقف منظومة الحقوق والواجبات والمسؤوليات وكيفية تحقيقها؟ وإلى أي مدى يمتلك المسؤول الحكومي (صاحب السلطة الأعلى في أي مستوى إداري بالمؤسسة) حس التغيير لضمان مساعدة الموظف في بناء ذاته وتحقيق طموحاته والوفاء بالتزاماته؟ وهل يمتلك خيارات واسعة بشكل يراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية والمهنية والظروف المادية والمستوى المعيشي للموظف وبيئة العمل والمسافة التي يقضيها الموظف إلى عمله؟ وكيف يحقق النظام مسار النزاهة والعدالة في ظل خصوصية الموظف والظروف التي تتقاطع مع التوقعات منه، نظرا لما لهذه المعطيات من أثر في تشكيل شخصية الموظف وطريقة أدائه لمهامه الوظيفية المحددة والأهداف والنتائج التي تم اعتمادها في فترة زمنية معيَّنة، ثم إلى أي مدى يستطيع هذا النظام في ظل اتساع تطبيقه وشموليته لكل الوظائف الإدارية والفنية والتشغيلية والتنفيذية والتنظيمية بالجهاز الإداري للدولة المدني أن يحقق نتائج دقيقة ويوفر مؤشرات عمل فعلية واضحة، وأن يعزز مبدأ التنافسية في عمل الموظف، وبالتالي نقل الموظف من حالة التكرارية والروتين والتهميش إلى الابتكارية والتجديد وإشعال درجة الحماس والرغبة لديه، وامتلاكه للحس المهني والوظيفي بحيث يراعي كل المكونات النفسية والفكرية والمهارية والتطويرية والأدائية والمبادرات الذاتية لدى الموظف؟وعليه، فإن الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، بحاجة إلى مسارات وتشريعات وأنظمة عمل واضحة تصنع لنظام إجادة قوة في التطبيق، ومهنية في الأداء، بما يؤكد أهمية حوكمة هذا النظام وإعادة قراءة معطياته ومتطلباته ونواتجه ومدخلاته، وموقع النزاهة فيه، وحقوق الموظف والمسؤول، وآليات التقييم، والتظلّمات، والاستحقاقات، وأنظمة الدعم والمساندة والتصحيح، بحيث يضمن ثقة الموظف في نواتجه وقرارته، ويعكس في أهدافه روح التغيير التي أراد أن يؤسسها في الموظف الحكومي، ثم انعكاسات ذلك على جودة تقديم الخدمة المؤسسية، وتبسيط الإجراءات وكفاءة العمليات الإدارية والحد من الهدر وفاقد العمليات المتكررة، من خلال تبنِّي سياسات وطنية أكثر نضجا في بناء صورة هذا النظام، وقدرته على التحرك في الواقع المهني، والتكيف مع التنوع الحاصل في المدركات النفسية والفكرية والوظيفية والمهنية والاختصاصات، وإعادة ترتيب الأولويات في ظل تقييم النواتج المتحققة منه على مسار الأداء الوظيفي والمؤسسي، هذا الأمر سيكون له أثره الإيجابي في تقنينه وضبط مصادره وبعث روح الحياة فيه، وضمان توفير إجابات لكل التساؤلات والفرضيات المطروحة وفق نماذج محاكاة واضحة تقلل من الاجتهاد الشخصي وترفع سقف الثبات في الإجراءات.وعليه، فإن الوصول إلى منظومة قياس أداء وطنية فاعلة تنعكس على أداء الموظف وإنتاجيته وقدرتها على استيعاب الأحداث الوطنية، بحاجة إلى منظومة متكاملة تتضمن جملة من الأبعاد التشريعية والقانونية والرقابية والضبطية والإنسانية والاجتماعية والنفسية والقيمية والأخلاقية، والأبعاد المرتبطة بالذوق والمهارات وإدارة المشاعر وبيئة العمل المحفزة وجودة الحياة الداخلية، والحس المهني والمهارات الناعمة وغيرها، بما من شأنه رفع سقف توقعات الموظف حول أدائه وقدرته على تحقيق هذه الأهداف والنتائج الرئيسية وفق المستويات التي وضعها لنفسه، بحيث يتحول نظام إجادة من كونه مقياسا كميا لوصف العمليات وتحديد الوزن النسبي أو العددي أو الزمني لها إلى كونها حياة متجددة تتعايش في فقه الموظف وترسم أحلامه، وتعيد مسار تفوقه، وتبرز ملامح تقدمه ومبادراته، وتصنع الإلهام فيه، واضعة الموظف أمام تشخيص مستمر لممارساته، وتأمل في إنجازاته، وصقل لمهاراته، وتعلم مستمر ينهض بمستواه العلمي والمعرفي والأدائي، حياة جديدة للموظف تنعكس على آماله وأحلامه وطموحاته التي يحملها للمستقبل، فيتعايش مع ظروف المؤسسة ويتكيف مع احتياجاتها، ويتفاعل مع طموحاتها.وبالتالي وضع نظام إجادة لقياس الأداء أمام محكّات تقييم واضحة، وتدعيمه بسلسلة من التشريعات والقوانين والمواد الضابطة له، وخلق محاكاة عملية له في الواقع، آخذا في الاعتبار ما يطرحه العالم وفي ظل الثورة الصناعية الرابعة من خصائص وسمات ومهارات لوظائف المستقبل والموظف العام، وما يمكن أن تسفر عنه جهود المؤسسات في إعادة هيكلة الوظائف والوصف الوظيفي من خلال تقديم تطبيقات عملية لمهام وظيفية نوعية لها حضورها في واقع عمل المؤسسات، بحيث يراعي نظام إجادة لقياس الأداء الفردي، جملة من المتغيرات لدراسة تأثيرها وعلاقتها بتطوير الأداء الفردي وتمكينه، مثل العمر الوظيفي، وطبيعة المهام، وأطر واستراتيجيات التنفيذ، وعمليات تقييم أداء المسؤول الحكومي، والحقوق الوظيفية والمهنية للموظف العام، بحيث تشكل هذه المعطيات مدخلا للكثير من المعالجات والمراجعات، بما تتطلبه المرحلة المقبلة في تطبيق النظام من التشخيص والتحليل والدراسة والجهد المنظم والعمل المبتكر، وأن ينشط دور القائمين على هذه المنظومة بالمؤسسات في قراءة عملية التفاعل الحاصلة مع النظام، وتوجيه بوصلة العمل فيه، وإذابة التباينات والتناقضات والهواجس الشخصية، وبالتالي قدرته على رسم الابتسامة في وجوه الموظفين، وتحقيق العدالة لهم، وإضافة روح الحياة بما يقدمه للموظف من فرص نجاح متعددة وما يفتحه أمامه من مسارات حياتية متجددة، ومدى استدامة فرص الحوافز في انتشال هاجس القلق والتذمر الذي يعيشه في موقع العمل أو خارجه، وبما يتيحه من آليات في تقدير جهد الموظف خارج إطار الأهداف والنتائج الرئيسية.من هنا تأتي مسؤولية حوكمة نظام إجادة في الإجابة عن التساؤلات المطروحة والهواجس ووضع النقاط على الحروف في الحد من أي انحرافات قد تؤدي إلى الخروج عن مسار العدالة المنشودة أو يشعر فيها الموظف إجحافا لحقوقه المهنية بدخول الحساسيات والرغبات الشخصية وسياسة التشفّي والكيل بمكيالين وفرض سلطة الأمر الواقع وشخصنة الوظيفة والفردانية، بحيث تكون صورة العمل معروفة من الجميع، والحقوق والواجبات والمسؤوليات ممارسة وواضحة ومفهومة ومعلومة من الموظف، بالإضافة إلى التوسع في الخيارات التي تضمن توفير حلول توافقية تراعي العدالة المهنية، فما قد يصلح لوظيفة ما، قد لا يصلح لغيرها، وما يتوافق مع الوظيفة الإدارية واضحة الإجراءات والعمليات والمهام قد يختلف عن الوظائف الفنية والإشرافية التي تتعامل مع تفاصيل أكثر نوعية وتتطلب المزيد من المهنية والتأمل والتفكير واستخدام العمليات العقلية العليا.أخيرا، فإن المأمول من نظام إجادة لقياس الأداء، أن يعيد ترتيب الأولويات وتحقيق التوازنات وتوسيع روح الفريق الواحد، ويفتح آفاقا رحبة في الممارسة التأملية، والتفكير النوعي والبحث والابتكار والاكتشاف والاختراع، لذلك يجب أن تسهم حوكمة المنظومة في وضع الموظف أمام منظور وطني ومؤسسي واسع يقرأ فيه شغف العطاء ورغبة الإنجاز، وحس التفاعل، وحماس الأداء، حتى لا يصطدم بجدار المحبطات وتراكم المطبات، وعندما تتخذ منظومة قياس الأداء من "عقلية الوفرة" منطلقا لتعزيز الشراكة والتعاون، وروح التشريع، وترقية مفاهيم الإنسانية وإدارة المشاعر، والحوافز والصلاحيات والتمكين، وبناء الفرص وحس المسؤولية ومنطق الخيرية في الحياة، في إطار منهجي يحقق العدالة ويحتضن أبجديات الحياة ويرسم فيها ابتسامة الأمل، كما تعزز من دور الإدارة المالية في صناعة الإنجاز، وتعزيز الحوافز والاستثمار في الموارد الذاتية والمهارات والتسويق للفكر الخلاق، بحيث تقع على هذه المنظومة مسؤولية إنتاج الواقع الوظيفي المترهل، والتقليل من حالة الاحتقان والروتين التي يعيشها النسق الوظيفي، وإعادة بناء الرأسمال الاجتماعي البشري العماني باعتباره المحرك الرئيسي لسفينة الإنجاز والموجه الحصيف لبوصلة العمل.