د.أحمد بن علي المعشني:
انعطفت سيارتنا باتجاه عين مارت الواقعة إلى الجنوب الغربي من نيابة ألسان، وإلى شمال وادي الشيخ على مسافة 10 كيلومترات تقريبًا.
عادت معالم المنطقة إلى ذاكرتي بسهولة بالرغم من مرور أكثر من خمسين عامًا منذ أن وطأت قدماي هذه المنطقة سيرًا على الأقدام.
تحتفظ المنطقة هنا بوجهها الطبيعي ولم تشوهها العشوائية التي تنتشر في كثير من المناطق الجبلية في محافظة ظفار.
مررنا بالعديد من التجمعات السكانية الصغيرة المتناثرة بأناقة وسهولة، لا تزال الطبيعة هنا تتدفق بانسيابية، تنتشر الخدمات في نظام وهدوء.
لاحظت أن خدمة الكهرباء موصلة لكل بيت، وأن خدمة الانترنت تتدفق في هاتفي بقوة، انحدرنا جنوبًا عبر طريق ترابي سهل بعد أن أنتهى بناء الطريق المعبد الذي يصل إلى كل بيت على تلك الروابي والمرتفعات، ثم انتهى طريق الاسفلت عند آخر بيت في طريقنا.
كان المنظر بديعًا، فالبيوت مقامة على مرتفعات متقابلة يحيطها حزام أخضر من التين البري والزيتون البري (الميطان) وتطل على شعاب ووديان، استمر الطريق سهلًا ولم نواجه مشقة في الوصول إلى عين مارت. هناك يستيقظ المكان في ذاكرتي بما يحمل من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة لبعض أيام طفولتي.
هنا كانت المواشي والأغنام والإبل ترد للشرب من هذه العين، فتجد عشرات من الضيوف والخطّار ينتظرونها لتلقي الأخبار وشرب الحليب.
كان الماء في تلك الأيام شحيحًا، وكان الرعاة يواجهون معاناة كبيرة في سقي مواشيهم، لكن ذلك الوضع بدأ يختفي تدريجيًا لتحل الرفاهية وتتوفر الخدمات بوتيرة سريعة منذ عام 1970، شهدت المنطقة تطورًا شاملًا، وانتقل السكان هنا وفي جميع أنحاء السلطنة من شظف العيش إلى حالة الرخاء والرفاه، فأمام كل بيت وكل خيمة أشاهد سيارات نظيفة من ذات الدفع الرباعي، وأرى أنابيب المياه وخزانات حديثة لحفظ كميات كافية من المياه تحسبًا للظروف.
هنا في هذه الساحة التي تطل عليها عين الماء، كان الناس يكرمون بعضهم بعضًا وتظهر قيمة الإيثار في سلوكهم عندما تكون الموارد شحيحة.
ويكون الطعام قليلًا، يتسم سكان هذه المنطقة بالكرم والطيبة ومساعدة الآخرين، ويجسدون أخلاقهم فيما بينهم وبين الطبيعة من خلال تعايشهم الراشد معها.
لاحظت وأنا أنزل من السيارة وأمشي في فناء العين المبني من الأحجار الصماء، لاحظت أن المكان مهجورًا وإن كان الماء وافرًا ولكنه يكاد أن ييأسن في الجابية الكبيرة التي تستقبل المياه من العين الصغيرة التي تتدفق منذ زمن بعيد.
فالناس في حالة رخاء، والآبار الارتوازية التي حفرت في أماكن تجمع المياه الجوفية وفرت المياه النظيفة التي صرفت الناس عن استخدام عيون المياه التقليدية.
وهذا جعل العين التي شهدت صيانة شاملة وتوسعة كبيرة عام 1995 معلمًا للزيارة والفسحة وليست للاستقاء أو الشرب.
أجلنا النظر في معالم العين ثم هبطنا جنوبًا إلى كهف (شطاح).وكلمة (شطاح) مشتقة من المفردة العربية شطح، وفي اللغة العامية الدارجة لدى أهل الجبل، تعني السعة، والكهف يظهر فعلا هذا المدلول، فهو كبير واسع وعريض، يقع في منحدر سهل تحيطه أشجار السغوت والتين البري ويطل على جهة الغرب، ويحمي من الشمس المطر ومن الرياح.
ويستوعب أعدادًا غفيرة من الناس أما صدره العريض والمحاط بسور دائري من الأحجار فقد كان مخصصًا للماشية من إبل وأبقار وأغنام في غابر الأيام.
أما اليوم فقد صار كهف (شطاح) منتزهًا ومعلمًا طبيعيًا يقصده هواة المشي الجبلي من أبناء المحافظة، وهذا ما يرشحه لأن يكون متحفًا طبيعيًا في المستقبل، كما يمكن أن يكون مجالًا للدراسات البيئية والتاريخية.
وهو كذلك محمية لشتى أنواع الطيور ومشتلًا طبيعيًا لأغلب أنواع النباتات البرية، ومكان جميل وبارز لالتقاط الصور التذكارية للوادي والمناطق المجاورة.

* رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية