لم تَعُد الدبلوماسيَّة العُمانيَّة أداة للتَّعبير عن النَّهج العُماني، وتأطيرًا لعلاقات السَّلطنة مع الدول في مختلف رُبوع العالم، بل أضحى لها دَوْرٌ ريادي يحمل رسائل تنمويَّة حبلى بكُلِّ القِيَم التي تُعلي السَّمت الإنساني في طيَّاتها، وتفتح الطريق نَحْوَ مستقبَل أفضل للبشريَّة جمعاء. لذلك حرصت أنْ تكون صوت العقل الرشيد، الدَّاعي لكُلِّ ما ينفع الجميع من أخلاقيَّات سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة، واستفادت من صوتها المسموع في المحافل الدوليَّة كافَّةً، والمَشهود له بالحياديَّة واحترام الآخر، لترسيخ مبادئ ساميَة تدفع الإنسانيَّة نَحْوَ التعاون والتكامل المَنشود، الذي سيصبُّ بالتَّأكيد في تحقيق النُّمو المُستدام الذي ينشده مليارات البَشر حَوْلَ العالم، وهو دَوْرٌ قِيَمي فريد لا نراه كثيرًا في خِضَمِّ السَّعي المحموم والصِّراع بَيْنَ الدول لتحقيق الأهداف الذاتيَّة، حتَّى وإنْ تعارض ذلك مع القِيَم والقوانين والتَّشريعات الدوليَّة، التي يتَّخذها البعض شعارات دُونَ الالتزام بالتطبيق.
إنَّ الالتزام بتفعيل المبادئ الأساسيَّة للسِّياسة العُمانيَّة الخارجيَّة، هو ما يجعل صوت السَّلطنة مسموعًا ومشهودًا له، فالسِّياسة الخارجيَّة العُمانية تحرص على تطبيق تلك المبادئ داخليًّا، أو من خلال علاقاتها مع الدول الصَّديقة والشَّقيقة، لتُعمِّق رسالة الخير التي تحملها للإنسانيَّة بمصداقيَّة العمل والحرص على ترسيخ مبادئها، قبل أنْ تنادي دول العالم للعمل على تطبيقها. فالسَّلطنة عندما تؤكِّد قناعتها بأنَّ تشجيع قِيَم الحِوار السِّلمي والتضامن يُعزِّز من الشراكات ويُسهم في إنجاحها، وتُشدِّد على أهميَّة التعاون الدولي وتعدُّديَّة الأطراف لتحقيق وتسريع الأجندة العالميَّة "2030"، والاستجابة إلى احتياجات وتطلُّعات الدول وسدِّ الفجَوات بَيْنَ البلدان المُتقدِّمة والنَّامية، نجدها تُعبِّر عن تلك القناعات بخطوات عمليَّة عبْر تقْويَة أواصر العلاقات الثنائيَّة مع الدول الشَّقيقة والصَّديقة، ولتحقيق الأهداف المَنشودة بالتعاون المُثمر البنَّاء.
لقد جاءت تلك التَّأكيدات في كَلِمة السَّلطنة أمام منتدى الشراكات التابع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأُمم المُتَّحدة بنيويورك، في إطار عضويَّتها بالمجلس للفترة 2022/2024، حيث كان المنتدى منصَّة مُواتيَة تُعبِّر فيها السَّلطنة عن ترحيبها بتسليط الضَّوء على مواضيع إنمائيَّة جوهريَّة في ظلِّ جائحة كورونا، بما فيها الحصول على اللقاحات، وتوفير الحمايَة الصحيَّة والاجتماعيَّة، وتقليص الفجَوات بَيْنَ الدول وتمويل التَّنمية، وهي غايَة عُمانيَّة تسعى البلاد إلى تحقيقها بشتَّى السُّبل، وتعمل مع الأصدقاء والأشقَّاء بكُلِّ جهْدٍ وتفانٍ، مُلْتحفةً بعلاقات دوليَّة ثنائيَّة ومُتعدِّدة تسعى إلى التقارب بَيْنَ الشُّعوب، وتحقيق الأهداف التنمويَّة المَنشودة كافَّةً، عبْر بناء شراكات استراتيجيَّة على الصَّعيد الوطني والإقليمي والعالمي؛ شراكات لا تقتصر على توفير الدَّعم المالي، بل تُمكِّن كذلك من بناء القدرات وتبادل الخبرات وأفضل المُمارسات والتَّجارب الدوليَّة وتطبيقها على المستويات المحلِّية من أجْل تسريع تحقيق أجندة 2030، وهو هدف مشروع لدول العالم جميعها، وعلى الدول الغنيَّة الحرص على تفعيله قَبْل الدول النَّامية، فإحداث تلك الأهداف على أرض الواقع سيجعل العالم أكثر أمنًا وسيُقلِّل من التشنُّجات المُولِّدة للصِّراعات.
وكعادتها في جميع المحافل الدوليَّة، استعرضت السَّلطنة مبادئها الرَّاسخة بدلائل عمليَّة تؤكِّد ما تملكه من صِدْق وشفافيَّة نَحْوَ تحقيق تلك الأهداف، فقد قالت السَّلطنة خلال كَلِمَتها بأنَّها تفخر بالنَّهج التَّشاركي الذي تمَّ اعتماده لِبَلْوَرة خطَّتها الإنمائيَّة الوطنيَّة "رؤية عُمان 2040"، وبالتزام من أطياف المجتمع العُماني كافَّةً، بما فيها المؤسَّسات الحكوميَّة والمُجتمع المَدني، في تنفيذ هذه الرُّؤية والتي تشمل محاور ذات أهميَّة وطنيَّة وعالميَّة مثل تعزيز التَّعليم وتسخير العِلْم والابتكار، وتوفير حمايَة اجتماعيَّة وصحيَّة لجميع فئات المُجتمع، والتصدِّي لآثار تغيُّر المناخ وتمكين المرأة والشَّباب، والعمل على ضمان الاستدامة الماليَّة، كما أنَّها تعمل على تحسين أدائها الاقتصادي والمالي في ظلِّ الجائحة الحاليَّة، وذلك من خلال إشراك القطاع الخاصِّ كمُحرِّكٍ أساسيٍّ للاقتصاد، وتمكين الشَّباب وتوفير فُرص العمل لهم، إضافةً إلى تشجيع ريادة الأعمال، ودعم المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، وترويج فُرص الاستثمار، وجُلُّها أهداف دعت السَّلطنة دول العالم للعمل على تحقيقها محلِّيًّا ودوليًّا؛ لِتُؤكِّد من جديد ربطها الصَّادق بَيْنَ الأقوال والأفعال.