سعود بن علي الحارثي:كان تعبيرا دقيقا ووصفا موفقا، إطلاق الصديق حافظ المسكري، على محافظة الداخلية بأنها "منجم ذهب"، في تعليقه الواتسبي الخاطف، وهو يهدينا الصور المدهشة التي تلتقطها عدسته باحترافية وانتقائية تعبِّر عن البراعة والانسجام، من حارات منح ونزوى والحمراء وبهلاء ومسفاة العبريين وإزكي و"العين" بإمطي... إبان إقامته وتطوافه بين ربوع ولايات المحافظة وقراها، ورغبته المتواصلة في المزيد من الاكتشاف والحفر في أعماق هذه الكنوز الأثرية، التي يسير فيها المحب الغيور الواعي لقيمة ما يرى، وهو يتألم ويتحسر لمشاهد التخريب والتجريف والتساقط والهدم والإهمال الذي تمارسه يد الطبيعة والزمن والإنسان والجهات المختصة، ويؤدي إلى تضييع وإهدار وتلاشي مفردات ومكوِّنات ودعامات هذا "المنجم" أو الكنز الذي نعتز ونفتخر ونفاخر به، ولكننا للأسف لا نقوم بخطوات جادة ولا بأفعال ملموسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه على أقل تقدير، نتحدث عن السياحة ودورها الريادي في تعزيز مصادر الدخل، نقر الخطط والرؤى بغية تطوير هذا القطاع الحيوي والمهم ورفع مساهماته في الناتج المحلي الإجمالي، نعلن عن البرامج والاستراتيجيات وندشن ونطلق المبادرات والندوات والمشاريع ونشارك في المؤتمرات، ولكن يبقى المنتج والملموس والفعلي هشًّا وضعيفًا ولا يصل إلى المستوى الأقل من الطموح. كان الصديق حافظ المسكري يشاركنا مشاهداته ودهشته وآهاته في مجموعة الصور والتعليقات التي يرسلها في مجموعتنا الواتسبية الصغيرة؛ باب خشبي فخم تزينه نقوش إسلامية وآيات قرآنية لم تعد يد الإنسان تتقن صناعته في عصرنا الراهن في بيت معماري من حارة أثرية قديمة، يوشك على السقوط، والرمة أتت على معظم دعاماته التي تسنده، حارة تنتمي إلى عالم الأمس بثقافته وتقاليده ونمط حياته التي اندثرت، بأزقتها وبيوتاتها ومساجدها ومرافقها وعمارتها وتصميمها البارع الذي يدهش الزائر، رممت بمساهمات الشباب وتبرعات خجولة من بعض مؤسسات القطاع الأهلي، ولكنها تحتاج إلى الخدمات وإلى التحفيز والمزيد من الإمكانات والاستثمار السخي. فاليد الواحدة لا تصفق، حارة قديمة متكاملة المرافق، تقدم تفاصيل حياة وثقافة وتقاليد مجتمع، من زمن غابر، مرممة بجهود ذاتية، لماذا لا تستثمر بافتتاح مقهى ومطعم حديث، وسوق أسبوعي يبيع المنتجات الحرفية والمحلية مما يطيب للسياح، وأكشاك تحضر فيها الأطعمة الشعبية وتنظم أمسيات ثقافية وفعاليات شعبية... لضمان المزيد من الجذب والتشجيع والإبهار؟ قلعة تمت صيانتها بمئات الآلاف من الريالات، ولكن إما أنها مغلقة أمام الزوار، أو لا يوجد فيها مرشد سياحي ولا علامات وشاشات تهدي وتقدم تاريخ بناء القلعة ومرافقها وأحداثها المضيئة، وتنقصها الخدمات وعوامل الجذب التي تشجع على تكرار الزيارات. حارة واسعة تحتوي على أكثر من مئتي بيت طيني أو من مواد الجص والحجر، أزقة ومساجد وأبراج وأبواب خشبية مزخرفة وشرفات وسوق وأفلاج تتدفق بماء الحياة... لها تاريخها الموغل في الماضي، وكل ما فيها يدعو إلى الإدهاش والإبهار، أسندت مناقصة صيانتها وإحياء مرافقها وتهيئتها للسائح لتصبح منارة حضارية تعرف بتاريخ وأمجاد عُمان، ومصدرا لتوفير الوظائف، وعائدا جديدا يسهم في نمو الموارد... ما زالت منذ أكثر من عقد متعثرة، ثروة مهدرة، نتأسف ونتعجب ونتساءل كلما زرناها: لماذا مشاريعنا السياحية لا ترى النور؟ وإلى متى ستظل السياحة في بلادنا مَحلَّك سِر؟ نعم محافظة الداخلية "منجم ذهب"، و"لو أنها استغلت بشكل صحيح، لأوجدت وظائف للباحثين عن عمل، وتمكنت من أن تدرَّ دخلًا مُهمًّا للخزينة العامة للدولة". سمائل ـ إزكي ـ منح ـ أدم ـ نزوى ـ بهلاء ـ الحمراء، وعشرات القرى الجميلة، لها تاريخها الضارب في القدم، مدن ضخمة، حضارات متنوعة، ريف ممتد من آلاف المزارع وواحات النخيل، أفلاج داودية سُجِّل بعضها في اليونسكو، قلاع وحصون مهيبة وحارات أثرية قديمة، تقاليد وقِيَم وفنون، سلسلة جبال ممتدة لمئات الكيلومترات لا تتعدى درجات الحرارة في قممها في الصيف القائظ الـ٣٠ درجة، فلا غرو أن يطلق عليها الأخ حافظ المسكري بـ"منجم ذهب" المغيب عن المشهد الاقتصادي حتى الآن. قبل أيام توجَّهتُ مع أفراد أسرتي إلى محافظة الداخلية، في جولة سياحية، فالشباب هناك يفاجئوننا بالجديد من مشاريعهم الابتكارية، وإبداعاتهم التي تعبِّر عن الإرادة والوعي بقيمة ما تمتلكه ولاياتهم من ثروات، ومتطلبات المرحلة، واستحقاقات المستقبل. كان مقصدنا زيارة قلعة بهلاء بعد الانتهاء من ترميمها الذي استغرق ما يزيد على عقدين من الزمن، واستعدادها لاستقبال السياح. شيدت القلعة في موقع استراتيجي رحب على التلل الصخرية المطلة على واحات النخيل والوادي الرئيسي والحارات القديمة، ويحيط بها السور القديم وسلسلة الهضاب إحاطة السوار بالمعصم، وتعد "أكبر قلاع سلطنة عُمان، المبنية بالطين، على مساحة ٩٠٠٠ متر مربع تقريبا" وهي كذلك "أهم عنصر معماري في أول موقع تراثي ثقافي بالسلطنة يتم إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي في ١٩٨٧"، وتحتشد بالثراء المعماري الذي يؤرخ ويعرض لفترات حكم تنتمي لعصور جاهلية وإسلامية، ولحكم النباهنة والإمامة، تمتزج في قالب بنائي ضخم جدا، متعدد الطوابق ومتباين الأشكال، ويمتد لمساحات واسعة ويعبِّر عن حضارة مجيدة مزدهرة، وتحتوي القلعة، على مرافق وأجزاء وبيوتات فخمة، وأبراج وساحات ومداخل وزوايا واستحكامات أمنية متعدة و"سقاطات الزيت" وآبار ومداخل ومخارج أشبه بالمتاهات ومجالس ومساجد ومدارس... وتشير مصارف المياه إلى البراعة والذكاء والقدرات الفذة التي يمتلكها المهندس العماني، القلعة تبهر الزائر وتثير الدهشة والإعجاب، وتحفزنا على التساؤلات بشأن قدرات الآباء وإمكاناتهم وإرادتهم الصلبة، وعظمة الحضارة العمانية المزدهرة رغم شح ووضاعة الإمكانات والوسائل والأدوات المتوافرة. إن ترميم القلعة وإظهارها بهذا الشكل... وتوافر دورات المياه النظيفة، وتحديد رسوم دخول معقولة، شيء مبهج ويدعو إلى السعادة والتفاؤل، ونتطلع إلى تنظيم فعاليات ترفيهية وثقافية نابعة من تقاليد وثقافة الولاية وقِيَم المجتمع المحلي، وتعيين مرشد سياحي وإثراء القلعة ومرافقها بالمقتنيات القديمة والأشياء الأثرية التي كانت تستخدم هنا في الماضي وتصور شكل الحياة في القلعة خاصة والمنطقة بشكل عام. فكل هذه الجهود تحفز وتشجع على جذب سياحي نشط ومستدام. سوق بهلاء القديم هو الآخر شهد ترميمات وصيانات نجحت في الاحتفاظ بنكهته التراثية القديمة مع إضافات ومفردات جمالية حديثة، أبرزت معالمه وتقسيماته، وحافظت على مداخله ومخارجه وملامحه التقليدية، واستثمرت العديد من دكاكينه لإنعاش السياحة، فمقهى "كدم"، الذي يدار بأيدٍ عمانية شابة يمزج بين نكهات القهوة الحديثة إعدادا ونكهة، والحاضنة التراثية مكانا، ووظف العديد من المحلات كجلسات عائلية وشبابية، لكل جلسة نكهتها وتصميمها ومفرداتها الجمالية وانتماؤها لأسماء بلدان خليجية وأجنبية تشتهر بالسياحة، وتخصصت محلات أخرى في صناعة وعرض وبيع منتجات حرفية ومقتنيات تراثية وجلسات شعبية... مقهى أناة وعدد من النزل التراثية في حارات نزوى، تدار هي الأخرى من قبل شباب عُمانيين واستثمرت الغرف والبيوتات الأثرية القديمة لتنشيط السياحة في ولاية نزوى والمحافظة بشكل عام، الحارات والأزقة والمقهى والنزل وسوق نزوى والقلعة... كلها تغص بالسياح وزوار الولاية، والعربات السياحية تنقل الأفواج بدون توقف. لقد زرت محافظة الداخلية كثيرا في السنوات الأخيرة وكتبت ونشرت عددا من المقالات عن المعالم والفرص والإمكانات السياحية فيها، وأكثر ما يبهجنا ويرفع مؤشر الأمل عندنا تلك الصحوة المجتمعية ووعي المواطن ومبادرات وجهود الشباب للاستثمار والعمل لصناعة سياحة راقية جاذبة معرفة بعمان وحضارة وتاريخ وثقافة العُمانيين. هذه الجهود والمبادرات الشبابية الرائدة تتطلب لضمان نجاحها واستدامتها، ولكي تصبح نشاطا اقتصاديا قويا ونموذجا للشباب العُماني في جميع محافظات السلطنة... الحماية والتحفيز والدعم من مؤسسات الدولة عبر التسهيلات الضريبية والقروض الميسرة وتسهيل الإجراءات وتخفيض قيمة الخدمات وإطلاق المشاريع والأعمال والحزم المشجعة والجاذبة للسياح، فهؤلاء الشباب ومشاريعهم الواعدة دعامة اقتصادية مهمة للغاية تغذي وتسهم في تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل للعُمانيين وتنشط السوق الداخلي.