محمود عدلي الشريف:القراء الكرام.. إن الأفعال لها موازين في ميزان الصحة والفساد، وميزانها العقل وصاحب الحكم فيها هو القلب، وأساس تصرف القلب هو الميول والطلب، وما يمنع ذلك أو يبيحه هوالإيمان، ولهذا فإن الإيمان إذا وجد ملأ القلب،وبوجوده أذهب عنه كل اضطراب وكلل وملل وسوء وقبح، بل اقتلع منه كل نبتة خبيثة من خلق سيء على العموم، وزرع مكانها أنواعا شتى من أشجار الأخلاق الطيبة ونبات الصفات الحسنة ذات الأزهار العطرة، التي يفوح منها الكلم والطيب والعمل الصالح، ومن هنا فإن القلب المؤمن لا تنقطع عنه ثمار النفع والخير سواء على الصعيد الشخصي أو المجتمعي.ولهذا ـ أيها الأحبةـ فإن الوازع الإيماني هو أقوى رقيب على تصرفات البشر، وعلى العكس تماما إذا ضعف الإيمان أوقل فإنه يترك الساحة القلبية فارغة مفتحة أبوابها، فلا تجد من نفسها مانعا لمن يدخلها من خبث الصفات وسيء الأعمال، ـ إي والله ـ فالقلب إذا خلا منه إيمانه فإنه يكون بلا باب ولا نافذة تدخله كل الآفات، ومن أخطر تلك الآفات آفة الطمع ـ نعوذ بالله تعالى منها ـ وهذا الآفة إذا تملكت القلب أصبح صاحبه في تيه لا متناه، وفي عطش لا ِري له وفي جوع لا شبع له، وفي طلب لا زهد فيه وفي رغبة لا انتهاء لها، لآن عينه لا تقر بشيء ولا تهنأ بعيش ولا تستريح أبدأ، لماذا؟ لأن صاحب الطمع إذا وصل لدرجة أن يكون طماعا، فإن الطماع يظل في طلب لما في أيدي الناس راغبا له طامعا أن تكون كل ما في أيديهم من ممتلكاتهم له وحده، ولهذا جاء الدين الحنيف ليربط بين حلقات سلاسل القناعة حتى تمنع الطمع من أن يخترقها، نعم جاء هذا الإسلام لكي يصنع الحواجز التي لا تخرق ولا تضعف أبدا، فتمنع كل ذميم فبيح.ولما كان هذا هو الأصل عند المؤمن وهو ابتغاء مرضات الله الطمع لما عنده سبحانه وحده من مقام كريم وجنة ونعيم، كان الطمع في حب الدنيا ونسيان الآخرة مذموما، وخاصة الطمع فيما في أيدي الناس،ومن هنا ذم الله تعالى الطمع ونهي عنه في كتابه الكريم في نصوص كثيرة منها:(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِوَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (البقرة ـ ٤١)،جاء في تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (1/ 97): قال السدي:(لا تأخذوا طمَعًا قليلًا وتكتُموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع)، وقال قتادة:(أنبأكم الله بمكانهم من الطمع) (تفسير القرطبي 10/ 226). ومن الآيات الكريمة التي جاءت تذم الطمع (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْۗوَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩) (ص ـ ٢٤)، قال عبد القادر العانيفي تفسيره المسمى (بيان المعاني على حسب ترتيب النزول1/304):(لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ: بسائق الطمع والحرص وحب التكاثر بالأموال التي تميل بذويها إلى الباطل إن لم يتولّهم الله بلطفه).فالطمع ـ أيها لأحبة ـ داء خطير للغاية قد يوصل الإنسان إلى أن يقتل أخاه ـ والعياذ بالله ـ وهذا الذي كان فعلا، فالطمع هو الذي جعل ابن آدم يقتل آخاه، فكان الناس أمة واحدة يتبعون آدم، وقد بلغ الحق آدم المنهج بعد أن اجتباه وهداه، وعلم آدم أبناءه منهج الله، فظل الناس من أبنائه على إيمان بعقيدة واحدة، ولم ينشأ عندهم ما يوجب اختلاف أهوائهم، فالعالم كان واسعاً، وكانت القلة السكانية فيه هي آدم وأولاده فقط، وكان خير العالم يتسع للموجودين جميعًا.إذن لا تطاحن على شيء، ومن يريد شيئًا يأخذه، وكانت الملكية مشاعة للجميع؛ لأنه لم تكن هناك ملكية لأحد؛ فمن يريد أن يبني بيتا فله أن يبنيه ولو على عشرين فدانًا، ومن يريد أن يأكل فاكهة أو يأخذ ثمراً من أي بستان فله أن يأخذ ما يريد، إذن كان الناس أمة واحدة، أي لم توجد الأطماع، ولم يوجد حب الاستئثار بالمنافع مما يجعلهم يختلفون.إذن فأساس الاختلاف هو الطمع في متاع الدنيا، ومن هنا ينشأ الهوى،وكان من المفروض في آدم (عليه السلام) بعد أن بلغه الله المنهج أن يبلغه لأولاده، وأن يتقبل أبناؤه المنهج، ولكن بعض أولاده تمرد على المنهج، ونشأ حب الاستئثار من ضيق المُسْتَأثر والمُنْتَفع به، ومن هنا نشأت الخلافات. ولنا في قصة هابيل وقابيل ما يوضح ذلك، وعن ابن عباس وابن مسعود ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:(أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل أحسن فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه، وأمره آدم (عليه السلام) أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قرباناً فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه فنزلت نارُ فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال: ..إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).إذن، كان ميلاد أول خلاف بين البشر حينما تنافس اثنان للاستئثار بمنفعة ما، وكان هذا مثالاً واضحاً لما يمكن أن يحدث عندما تضيق المنافق عن الأطماع. وهو دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس لأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، وبعدما أخذ شهوته من القتل نَدم)(تفسير الشعراوي 2/ 904).وفي السنة النبوية ما أكثر ما جاء من نصوص عن النهي عن الطمع وذمه:ففي مسند أحمد ط الرسالة (35/ 130، برقم 21202):(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَقَرَأَ:"لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ"(البينة ـ 1)، قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَانِيًا وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ الْقَيِّمَ عِنْدَ اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ، وَلَا الْيَهُودِيَّةِ، وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلْ خَيْرًا، فَلَنْ يُكْفَرَهُ)،قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (10/ 160):(وأشار ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد منها؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف فراراً من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته، واستعاذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من شر فتنة الغنى، وقد علم كل مؤمن أن الله تعالى قد أعاذه من شر كل فتنة، وإنما دعاؤه بذلك ـ صلى الله عليه وسلم ـ تواضعًا لله وتعليماً لأمته، وحضاً لهم على إيثار الزهد في الدنيا).. وللحديث بقية.[email protected]*