سعود بن علي الحارثي:
قرار الترشح وانعكاساته العميقة وتحوُّلاته الكبيرة على حياة المترشح وأسرته، تتمثل في اضطراب الأعصاب وتشنجاتها، الخوف الملازم في كل وقت، القلق المتصاعد مع كل يوم تغيب شمسه وتقرب من صدور النتائج، التوترات التي يعيشها أفراد أسرة المترشح للرئاسة، افتقاد الاستقرار الأسري والحياة الهانئة، إنها الفوضى العارمة، تلك هي بالمختصر، الحياة التي يعيشها كل من اتخذ قراره بالترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، يعرضها "أوباما"، في كتابه الآسر بلغته الجميلة وموضوعاته وعناوينه الجذابة، بتفاصيل الأحداث التي مرت بها حياته، ومواقفها الطريفة والجادة، المتناقضة والمتناغمة، "سرعان ما أحبطني احتمال تمضية 18 شهرا بهذه الوتيرة. لقد أكدت حقي بالترشح للرئاسة، وأشركت فريقا كبيرا من الناس، وتسولت المال من غرباء، وعممت رؤية أؤمن بها. لكنني افتقدت زوجتي وابنتي. افتقدت سريري والاستحمام المنتظم والجلوس إلى مائدة لتناول وجبة مناسبة...". إنها بحق انتخابات الأمل والتطلع للفوز برئاسة العالم، فلا غرو أن توصف بأنها "أشبه باختبار الجهد، تخطيط للقلب، يستهدف الروح". فلماذا تجشم "باراك أوباما" كل هذه التضحيات وخاض التحديات والمعيقات ما دوافعه وغايته من الرئاسة؟ يجيب هو بنفسه على هذا السؤال الذي طرحته عليه زوجته ميشيل، قائلا: "ليس هناك ما يضمن أننا سننجح. لكنَّ ثمة شيئا واحدا أنا متأكد منه. أعلم أنه في اليوم الذي سأرفع فيه يدي اليمنى وأؤدي القسم رئيسا للولايات المتحدة، سيبدأ العالم بالنظر إلى أميركا نظرة مختلفة. أعلم أن الأطفال في أنحاء هذا البلد كله ـ الأطفال السود، الأطفال الهسبانيين، الأطفال المختلفين ـ سينظرون إلى أنفسهم نظرة مختلفة، أيضا، وستتسع آفاقهم، وستزيد إمكاناتهم. وهذا وحده... يستحق هذا العناء كله". إيمان العائلة ويقينها بفرص المترشح، الخطاب الانتخابي المؤثر القادر على قلب المعادلة وإحداث التغيير، الفريق المساعد الكفؤ، الوقت، المال... هي الدعامات التي يتكئ عليها المترشح للرئاسة، لتحقيق الفوز. هامش التغيير المرافق لتبدل وجوه وشخصيات الرؤساء كل أربع أو ثماني سنوات، أو التحوُّل في السياسة الأميركية، وبالأخص الخارجية، ضيق ومحدود، في النظام الديمقراطي الذي يسيره ويضبط توجُّهاته الدستور، والعمل المؤسسي، وأذكر عندما كنا نتحاور وبعض الأصدقاء، بشأن سياسات "دونالد جون ترامب" الاستفزازية، وعنجهيته، وتصريحاته المتناقضة التي تثير ردود الأفعال الغاضبة، وتوجُّهاته التي تقدم انطباعات على انقلاب وتحوُّل في مسار السياسة الأميركية، وارتداد عن القِيم الديمقراطية... كنت أثير في مداخلتي نقطة مهمة وهي أن أميركا دولة مؤسسات وقانون، ومهما كانت توجُّهات رئيسها وتوهم انحرافها عن المبادئ الأميركية، فسرعان ما سوف يصطدم بمعيقات الأعراف السياسية المتجذرة، فيما يمتلك الشعب الأميركي الأدوات الدستورية التي تضمن له التغيير في الانتخابات المقبلة، وهذا ما حدث فعلا. "تمثل الخوف الأكبر لفريقي في أن أرتكب ((هفوة))، وهو التعبير الذي تستخدمه الصحافة لوصف أي عبارة خرقاء يتفوه بها المرشح وتكشف جهلا أو عدم اكتراث أو تفكيرا مشوشا أو عدم إحساس أو حقدا أو فظاظة أو كذبا، أو نفاقا ـ أو تعد ببساطة انحرافا بدرجة كافية عن الحكمة التقليدية، بما يجعل المرشح المذكور عرضة للهجوم. وفي إطار هذا التعريف يرتكب معظم الناس خمس زلات إلى 10 يوميا، ويعتمد كل منا على الصبر وحسن النية من جانب عائلتنا وزملائنا في العمل وأصدقائنا، لملء الفراغات ورصد الانحراف، والتركيز عموما على أفضل ما فينا لا على الأسوأ". في هذا المحور يتضح بجلاء صرامة الرقابة التي يمارسها الإعلام على مرشحي الرئاسة، والتقييم المباشر، للناخبين واستيعاب مستوى قدرات مرشحهم، من حيث مهاراته ومكناته البلاغية، ورؤيته المستقبلية لشكل أميركا، والقِيَم التي يؤمن بها، ودوافعه للترشح ورؤيته للملفات الداخلية والسياسة الخارجية... لتصبح مؤشرات أولية يبني عليها الاختيار، وهذه هي المشاركة الأصيلة في بناء الديمقراطية، والمشاركة المجتمعية في صناعة القرار السياسي ومشاركة الأمة في اختيار رئيسها المستقبلي، وفي عزله إذا ثبت فشله، أو التجديد له بعد أربع سنوات. ما الذي يدفع الأميركيين إلى دعم وتمويل حملات مرشحيهم الانتخابية، وبعضهم طلبة جامعيون، وأصحاب دخول متواضعة، والتضحية بمصاريفهم الترفيهية المخصصة لشرب القهوة مثلا، إنه الإيمان بالقِيَم الديمقراطية، والولاء للحزب، والشعور العميق بالمواطنة، والمشاركة في التمويل والانتخاب يعبِّر عن حب أميركا، ومبادئها وأعرافها السياسية، إنه التوق إلى المستقبل والتغيير، والشعور بالمسؤولية، فالانتخابات الرئاسية تخلق أجواء مفعمة بالحماس والإثارة والمنافسة والنشاط والحيوية والخروج عن المألوف ورتابة الحياة..." مع كل شهر جديد، كانت تركيبة قاعدة المانحين في تحوُّل. وبدأت التبرعات الصغيرة ـ بفئات 10 أو 20 مئة دولار ـ بالتدفق، وأتت غالبيتها عبر الإنترنت، أو من طلاب جامعيين تعهدوا إعطاءنا ميزانيتهم المخصصة لمقاهي ((ستاربكس)) طيلة مدة الحملة الانتخابية، أو من الجدات المشاركات في تجمعات للخياطة مخصصة للأعمال الخيرية. إلى ذلك في موسم الانتخابات التمهيدية، جمعنا الملايين من مانحين صغار، ما سمح لنا بالسعي في كل ولاية إلى كسب كل صوت". من لوازم الترشح للرئاسة، اللباقة والإجادة في معرفة أسماء البلدات والأمكنة والمواقع التي يزورها المترشح، وتوخي الدقة والإصابة في نطقها، ولديه الخلفية الكاملة والمعلومات الوافرة عن سكانها وانتماءاتهم وأعراقهم وتقاليدهم ومشكلاتهم ونوع الوجبات والأكلات التي يحبونها... كلمة في خطاب، جواب على سؤال صحفي، موقف طريف، تصرف غير مقدر للعواقب، بل حتى ابتسامة أو تجهم جميعها قد تغير النتائج وترفع أسهم مرشح وتخفض نسبة آخر فتبعده عن الفوز، توقعات ومؤشرات واستطلاعات تتغير كل لحظة، فتميل لصالح هذا المرشح أو ذاك، تتعب الأعصاب وتشتد وتتوتر، وتهدأ وتنفرج وتنشرح الأسارير... بكل هذه التفاصيل الدقيقة يستعرض "أوباما"، مساره الانتخابي متنقلا من ولاية إلى أخرى ومن منطقة إلى منطقة، وفي البرامج الإعلامية وهو يقارع ويحاور ويناظر منافسه، ويرد على أسئلة الصحافة التي تلاحقه وتتابعه وتراقبه وتنتهك خصوصياته، وبرفقة أعضاء فريقه الانتخابي يصححون كلمة ويعالجون خطأ ومشكلة ما. ويضعون الخطط والبرامج ويناقشون الأفكار والرؤى ويحللون المسار الانتخابي ويراجعون خطاباته أمام مؤيديه، ويعدون الردود المناسبة على الإشاعات والتضليل والأكاذيب التي تسعى للنيل من مصداقيته وسجله الأخلاقي وتاريخه الوطني "عممت أكاذيب أكثر فظاعة، لم تكن لها علاقة بجنسيتي، بل بفكرة "الغريب" المرتبطة بادعاءات متنوعة مألوفة وقاتمة" أنني تاجرت بالمخدرات، وأنني عملت بائع هوى للمثليين، وأن لي روابط ماركسية وأنجبت العديد من الأطفال خارج إطار الزواج"، إنها أيام وأسابيع وأشهُر من العمل الانتخابي المرهق الكاسر للأعصاب المدمر للصحة. بقايا العنصرية والرؤية الفوقية وخطاباتها المقيتة لا تزال تلاحق العرق الأسود في أميركا، صامدة في ثقافة وعقول شريحة من الأميركيين في تحدٍّ واضح وتجاهل للقِيَم والمبادئ التي تأسس عليها النظام الديمقراطي في أميركا، في مواقف يعرض لها الرئيس الأميركي في مذكراته، "بدت مواقفي العرقية أكثر وضوحا ومباشرة، وفي بعض الأحيان غير خفية على الإطلاق. كيف لي أن أفسر أن امرأة بيضاء ترتدي ملابس أنيقة خلال عشاء حضرته، كانت ترفض مصافحتي؟ كيف لي أن أفهم دوافع أولئك الذين يصرخون حيال حقوق الولايات ويقولون لي أن أعود إلى دياري؟"، وما التحدي الخرافي الذي خاضه إلا من أجل أن يحدث التغيير ويعيد القِيَم الأميركية إلى نصابها ويصوبها، فهو مرشح "ضد الماضي بكل ما فيه من ثقل وقسوة وجمود، ومن الخوف الذي أنتجه"، فما أنجزه يعد في "أذهان الكثيرين شيئا من المعجزة. فأن يطمح المرء إلى ما هو أبعد من ذلك بدا أحمق، لا بل رحلة محفوفة بالمخاطر". يعترف "أوباما" بفضل "الدور المتنامي للتكنولوجيا في انتصاراتنا"، معبرا عن دهشته واستغرابه من "مدى مرونة هذه التكنولوجيا والسرعة التي تجتذب بها المصالح التجارية والقوى المترسخة. وأيضا مدى السهولة في استخدامها لا لتوحيد الناس فحسب بل لتشتيت تفكيرهم أو تقسيمهم". أمام ناخبيه نعى "باراك أوباما" جدته، عشية وفاتها ونعتها بأجمل الأوصاف وبأصدق ما يقوله الشخص لحظة فقده لأعز أحبابه، وبلغة رقيقة بليغة، وبكلمات مؤثرة، وقد كان لهذا الخطاب الأخير في الحملة الانتخابية، تأثير لصالح فوزه الذي بلغه باقتدار، "كانت واحدة من هؤلاء الأبطال الهادئين الذين نملكهم في مختلف أنحاء أميركا، إنهم ليسوا مشهورين، ولا ترد أسماؤهم في الصحف، لكنهم يعملون بجد كل يوم. فهم يعينون عائلاتهم، ويضحون من أجل أبنائهم وأحفادهم. هم لا يسعون إلى الأضواء، فكل ما يحاولون القيام به هو الشيء الصحيح". "كيف لقلبي ألا يشعر بالإثارة؟ كيف يمكنني أن أقاوم هذا الاعتقاد بوجود شيء صحيح في كل هذا، شيء لا يدوم؟". هكذا يعبِّر "أوباما" عن مشهد زوجة جده، التي حضرت حفلة تنصيبه رئيسا من قريتها الريفية الصغيرة في شمال غرب كينيا، والتي لم تعرف "التعليم وسقف منزلها من القصدير، ولا مياه جارية فيه، ولا شبكة سباكة داخلية"، وها هي الآن "تتناول العشاء في بلير هاوس بأطباق مخصصة لرؤساء الوزراء والملوك". فصول كثيرة وعناوين شيقة ومواقف سياسية حساسة ومضامين خصبة يحتويها الكتاب تستحق أن تقرأ ويتم استيعابها والتعرف على الفرق بين عالمنا والعالم الآخر الذي يسبقنا بعقود من الزمن في تقدمه وازدهاره ونموه ونظمه السياسية والاقتصادية.