د. رجب بن علي العويسي:وجَّه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في أثناء ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء الموقر في التاسع من نوفمبر المجيد لعام 2021، بعد أن استعرض جلالته نتائج تقييم أداء المؤسسات الحكومية لعام 2020/2021م والجهود المبذولة من كافة القطاعات لتجويد الأداء وتقديم خدمات أفضل لمواكبة التطورات وتحقيق الصالح العام، وجَّه في إشارة كريمة سامية منه "إلى أنه سيتم إنشاء وحدة مستقلة تتبع جلالة السلطان لقياس أداء المؤسسات الحكومية وضمان استمرارية تقييمها واقتراح آليات رفع كفاءتها، مع قياس جودة الخدمات ورضا المستفيدين منها".ويأتي التوجيه السامي بإنشاء هذه الوحدة المستقلة، المنوط بها قياس أداء المؤسسات الحكومية واقتراح آليات رفع كفاءتها، مرحلة مهمة في منظومة العمل الوطني وتحقيق رؤية عمان 2040، استشعار لأهمية منظومة قياس وتقييم الأداء الحكومي الذي أصبح يمثل هاجسا شخصيا لجلالة السلطان، ومرتكزا وطنيا تؤمل عليه الحكومة الكثير من الطموحات والتوقعات في جودة الأداء الحكومي، والتشخيص المستمر له في ظل اقترابه أو ابتعاده عن الأولويات الوطنية، وبما يستدعيه تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع من إرادة سياسية، ورؤية أكثر عمقا في قراءة طبيعة المدخلات والعمليات والمخرجات، نظرا لما يمكن أن تقدمه منظومة قياس الأداء الحكومي وتقييمه من فرص نجاح قادمة لبناء منظومة المحاسبية والمساءلة والنزاهة التي يجب أن تسري في كل جوانب العمل الوطني ومجالاته، والتي أشار إليها الخطاب السامي في الثالث والعشرين من فبراير لعام 2020 وترجمتها المادة (65) من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني(6/2021) والتي نصَّت على: "تنشأ لجنة تتبع السلطان، تختص بمتابعة وتقييم أداء الوزراء ومن في حكمهم، ووكلاء الوزارات ومن في حكمهم، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارات الهيئات والمؤسسات العامة وغيرها من وحدات الجهاز الإداري للدولة، ورؤسائها أو رؤسائها التنفيذيين، ويصدر بتشكيلها ونظام عملها وتحديد اختصاصاتها الأخرى أمر سلطاني".وعليه تعد منظومة قياس الأداء الحكومي وتقييم فعالية المؤسسات في أداء اختصاصاتها، أحد جوانب التطور الحضاري والرقي الفكري وقدرة المؤسسات على العيش في عالم مضطرب سريع التغيير، ومؤشرا لتحقيق الجودة والكفاءة والفاعلية المؤسسية، وتعبيرا عن أرقى درجات الوعي المتحققة في المجتمع الوظيفي وثقافة العمل المؤسسي في ظل نهج معيارية تعتمد الابتكارية والنوعية والتقنين والكفاءة والمنهجية والضبطية مدخلا لها، والوضوح والشفافية والدقة في قواعد العمل وأنظمته والعلاقات وأساليب الاتصال والتواصل ورضا المستهدفين من الخدمة المؤسسية إحدى عملياتها، وكفاءة التشريعات والقوانين وكفايتها في المحافظة على مسارات الإنجاز عالية، وصونه من أي انحراف عن الهدف، أو تراجع عن سقف التوقعات ومؤشرات الأداء، ويصبح الحديث عن مؤشرات الكفاءة والجودة وتحقق الإنتاجية أحد مخرجاتها الأساسية التي تعمل على تحقيقها ضمن نظام مؤسسي تتكامل فيه الجهود وتتفاعل فيه العناصر المؤسسية مع بعضها البعض، ليشكل مدخلا للتكامل بين السياسات والممارسات، والخطط والبرامج، وبين الرؤى والأفكار المطروحة وواقع العمل، وهو الأمر الذي سعت إلى تأكيده رؤية عمان 2040 منطلقة في ذلك من جملة المحاور والمرتكزات والمبادرات والأطر التي وضعتها إطارا لعملها ومسارا يوجه بوصلة أدائها ويضمن تحقيقها للغايات بكل جدارة واستحقاق.وبالتالي فإن تحقق هذا الطموح الناتج من بناء منظومة وطنية مستقلة لــ"قياس الأداء الحكومي"، في ظل اهتمام الإرادة السامية لجلالة السلطان بها، ومتابعته الكريمة لعملها، وإشرافه المباشر على أدائها، مرهون بوضع الثقة السامية فيها محل استشعار بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، والأمانة التاريخية والأخلاقية والإدارية والتنظيمية التي عليها أن تقوم عليها في ظل نظام عملها واختصاصاتها ومهامها، وقدرة القائمين عليها على صناعة التحول المنشود، وتقديم الدعم النوعي لمؤسسات الجهاز الإداري للدولة في ظل نواتج التقييم ومعطيات الأداء، ومساحة الدعم الأدائي التي تقدمها للمؤسسات الي لم تجتاز المؤشرات أو أخفقت فيها، والحيادية والنزاهة والمعيارية والابتكارية التي تكون حاضرة في أدائها، وكفاءتها في تقديم نموذج وطني فاعل في المحاسبية والمساءلة يمتلك قوة نافذة في القرار، وصلاحيات رقابية تعزز قدرتها على تحقيق الضبطية الأدائية في الأداء الحكومي، بالإضافة إلى مسؤولية الجهاز الإداري للدولة في التجاوب معها، وتنفيذ استراتيجيات عملها، ورفدها بالتقارير الإجرائية الرصينة القائمة على تشخيص بيئة العمل، ورصد جوانب القوة والضعف، والممكنات والحوافز والفرص والتهديدات، والإجراءات العملية الفاعلة، والمبادرات الجادة على الأرض، التي تعبِّر عن واقع الفعل، وتجسد عنصر المنافسة بين القطاعات للوصول إلى تقييم محفز للأداء الناجح والعمل المبتكر والأداء المخلص والتنافس الشريف والمبادرة الجادة والاحتواء للكفاءات والخبرات الوطنية وتنشيط حركة العقل الاستراتيجي بالمؤسسات.لقد واجهت منظومة تقييم الأداء المؤسسي في مراحل سابقة الكثير من التحديات بالرغم من حصورها في فقه القيادة، ووجود الممكنات التي سعت إلى ضمان المحافظة على إنتاجيتها، ومع ذلك ظلت هذه المنظومة السر المدفون الذي يخشى إيقاظه أو إدخاله ضمن منظومة الأداء الحكومي، محاولة في إخفاء السر المدفون، وتغيير ثقافة الناس نحوه، لذلك لم تجد لها طريقها الممهد في العديد من المؤسسات التي ما زالت عقدة الذاتية والفردية وأزمة الثقة تسيطر على ممارساتها، وما زال الأداء المؤسسي فيها لا يعترف بالمعايير، ولا يطبق مؤشرات الأداء، ولا يحتكم فيه إلى معيار الكفاءة في العمل ودقة الفعل في الممارسة، بقدر ما يعترف بالتصريحات والترويج والدعايات الإعلامية، لتضيع هذه الجهود بين الأرفف بلا متابعة، وما زالت منظومة تقييم الأداء المؤسسي تطوى أوراقها مع عدم وجود الإرادة في التغيير ومحاولة الإبقاء على النمطية في التفكير، فأصبح البحث عن السر المدفون غير وارد في كثير من الأحيان؛ لأنه سيفعل فعلته في المؤسسات، ويقول قولته أمام أي تعدٍّ على الحق المؤسسي العادل أو استئثار به من قبل البعض. إننا اليوم أمام مشهد جديد بدأ مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة الذي يراد منه أكثر من عملية دمج للوحدات الحومية إلى بناء مسار واضح للإنتاجية قائم على كفاءة الإنجاز والتنافسية والجدارة الإدارية التي تتعدى مجرد أقوال وتصريحات واجتماعات إلى فعل مؤسسي منجز يضع الجميع أمام مسؤولياتهم لتحقيقه، والمشاركة في رسم صورته الفعلية في الواقع المؤسسي، ويطول أيضا القرار المؤسسي ذاته الذي يفترض أنه يعبِّر عن رغبة العاملين في المؤسسة، وهو ما يعني ضرورة تبني ثقافة جلد الذات، والاعتراف بالقصور في العمل، وتأكيد الحاجة إلى الاعتماد على التخطيط والتقييم والتقويم كمعايير واضحة لعمل مؤسسي مرتقب يحقق العدالة ويرفض منطق البيروقراطية وإثبات القوة والعظمة للذات، هذه الحقائق التي تبرزها منظومة قياس الأداء المؤسسي تجد من يقف ضدها بل يعمل بكل جهده على تقويضها وتضييع أركانها ومنع الصلاحيات عنها وإجحاف حقها في الدعم والمساندة بالرغم من أنها ما وجدت إلا لدعم الأداء المؤسسي.من هنا نعتقد بأنه لا وجود لهذه الأفكار النمطية والسلبية حول منظومة قياس الأداء وتقييمه اليوم مع الإرادة السياسة الواعية المدركة للقيمة المضافة لمنظومة قياس الأداء المؤسسي، ومنظومة متابعة وتقييم أداء المسؤول الحكومي، فنحن اليوم أكثر تفاؤلا في قدرة هذه المنظومة على الوقوف على أرضية صلبة، وأن شرف ارتباطها بالمقام السامي وإشرافه المباشر عليها سوف يضمن كفاءة مدخلاتها عملياتها ومخرجاتها وتوفير كل الممكنات، وتيسير كل السبل لتذليل الصعوبات التي تواجه هذه المنظومة، لتحقيق أهدافها، ذلك أن بناء منظومة قياس الأداء المؤسسي تحتاج إلى قرار سياسي ورؤية وطنية تنظر للمسألة من منظور وطني وعالمي، وهاتان الميزتان التنافسيتان لهما حضورهما اليوم في المشهد العماني، والتي تتجلى معالمها في التشريف السامي بالمتابعة المباشرة لهذه المنظومة (قياس الأداء، ومتابعة وتقييم الأداء الحكومي)، وعبر وجود الإرادة السياسية التي تقف مع هذه المنظومة وتتبناها فكرا وفلسفة، ومنظومة عمل واستراتيجيات أداء، ومعايير تقييم وأنظمة تشخيص ورصد، بما يضمن وجودها في مأمن من أي انحرافات قادمة عن النهج الذي رسمه لها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، بحيث ينطبق ذلك على منظومة قياس الأداء الحكومي التي أشار إليها جلالته ـ أعزه الله ـ أو كذلك اللجنة التي تتبع جلالة السلطان والمشار إليها في المادة (65) من النظام الأساسي للدولة والتي تعنى بـ"متابعة وتقييم أداء الوزراء ومن في حكمهم، ووكلاء الوزارات ومن في حكمهم" والتي أشرنا إليها سلفا.أخيرا، يبقى على منظومة الجهاز الإداري للدولة أن تستلهم من توجيهات جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ محطة انطلاقة جادة لتجسيد أهداف وغايات بناء منظومة قياس الأداء الحكومي في عملها وأولويات اهتمامها، ووضع هذه الموجهات، ومرتكزات العمل أمام استراتيجيات واضحة المعالم، محددة الأهداف، مقننة الآليات، معروفة في خط سيرها الزمني والمكاني، وأن تحظى منظومة قياس الأداء المؤسسي بالمزيد من الرعاية والعناية باعتبارها المنطلق الرئيسي لكل المراجعات والمعالجات، إذ ليس من المتوقع أن تتم المعالجة والمراجعة المؤسسية أيا كان نوعها في ظل تغييب منظومة تقييم الأداء المؤسسي أو دفنها عن الأنظار، ومحاولة إقصائها عن واقع العمل بمسميات تجتهد المؤسسات في إشهارها بعيدا عن مرتكزات منظومة التقييم، فهل ستثمر عملية التحول المنشودة في منظومة قياس الأداء الحكومي وتقييم الأداء الحكومي ومتابعة وتقييم أداء الوزراء ومن في حكمهم في إخراج السر المدفون إلى حيز الفعل؟