محمد عبد الصادق:
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، والذي يأتي هذا العام، وقد نجح العرب في إدراج الخط العربي ضمن الإرث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، آملين أن يأتي العام القادم وقد تم الاعتراف باستخدام العربية في سائر المنظمات والاتحادات الدولية؛ بداية من الأمم المتحدة وجميع منظماتها وانتهاء بالاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" وسائر الاتحادات الرياضية، ولكن الأهم تحسين أحوال اللغة العربية في بلاد العرب، وإقناع الناطقين بها بأهميتها والحفاظ عليها من التأثيرات والممارسات السلبية، وأن يدرك العرب أن الحفاظ على اللغة العربية ضرورة حياة، لأنها لغة القرآن الكريم، وإذا كان عدد العرب لا يزيد عن 450 مليون نسمة، فهناك قرابة ملياري مسلم حول العالم، يستخدمون اللغة العربية أثناء أداء صلواتهم، حتى لو كان معظمهم لا يجيدها أو يعرف معانيها، وهناك إقبال كبير على تعلم اللغة العربية من كافة الجنسيات غير العربية لأسباب متعددة، في الوقت الذي نلحظ فيه هروب ونفور الأجيال العربية الجديدة من لغتهم الجميلة.
واللغة العربية لغة سماعية، بمعنى أن تعلمها بطريقة صحيحة، لا يكون إلا عن طريق الاستماع إليها من الشيخ أو المعلِّم أو المذياع؛ خصوصا في السن الصغيرة التي تكون فيها حاسة الحفظ والالتقاط في أوجها، وحسب الطريقة التي تلقيت بها اللغة أول مرة، تتحدد علاقتك بالعربية، فإذا كنت سعيد الحظ وكان الشيخ أو المعلِّم الذي تلقيتها منه على قدر من الموهبة والكفاءة والإتقان ولديه حس تربوي في كيفية توصيل المعلومة، ويا حبذا لو كان صوته جميلا، وينطق الجمل نطقا صحيحا، ومخارج الحروف لديه سليمة، حببك ذلك في اللغة وقوم طريقة نطقك لحروفها وصحح أخطاءك اللغوية، ستكبر وينمو معك حب اللغة وإتقانها وتيسر لك التعاطي مع مفرداتها وتذوق معانيها ومواطن جمالها، أما إذا كنت سيء الحظ وكان معلِّمك في الطفولة غليظ القلب يتعامل مع اللغة بإهمال واستخفاف، وصوته منفر وغير متمكن من ناصية النطق السليم، ستكره اللغة العربية وتظل لديك صعوبات في نطق الكلمات والجمل بالشكل الصحيح وهو ما يسمى باللحن أو النشاز، ولا يتحسن هذا العيب بالقراءة لأنك ستظل تقرأ بالطريقة الخاطئة التي تعلمتها في طفولتك حتى لو كانت حروف الكتاب الذي تقرأه يعلوها التشكيل، إنما يحتاج الأمر إلى السماع والإنصات لتتعرف على الطريقة الصحيحة للنطق.
ونفس الأمر في الكتابة والإملاء، فإذا أتقنت الكتابة والإملاء والخط السليم في سن صغيرة، ستشب وأنت متمكن من هذه المهارات، وإذا فشلت في إتقان الكتابة والإملاء ولم يتسن لك تحسين خطك في سني الدراسة الأولى، ستظل الأخطاء الإملائية تلاحقك طوال عمرك، وستظل رداءة الخط وصمة تحاول التخلص منها دون جدوى، وبهذه المناسبة لا أدري سببا لإلغاء حصة الخط. وأتذكر زمان كانت هناك كراسة للخط مصممة بطريقة علمية لتحسين الخط من خلال سطور متباعدة تيسر على المعلم تصويب التشوهات الخطية للتلاميذ، وأحيانا كانت بعض المدارس تستعين بكبار الخطاطين لمساعدة الطلبة الموهوبين أصحاب الخط الجميل، لتعلم فنون الخط وأنواعه؛ النسخ والكوفي والرقعة، وكان أصحاب الخط الجميل يتمتعون بمكانة عالية في المدرسة وكنا نحترمهم ونتملقهم ليساعدونا في عمل اللوحات المطلوبة منا في الأنشطة المدرسية.
أكبر تهديد للغة العربية ـ تعيشه الآن ـ منذ ظهور الإنترنت والهواتف الذكية، فالجيل الجديد يستخدم لغة غريبة يسمونها "العربيزي" أو "الفرانكو"، وهي لغة تكتب العربية بحروف لاتينية وتستعيض عن بعض الحروف بأرقام، هذا عن الشكل، أما المحتوى فيُستخدم فيه مفردات عامية سوقية وشتائم نابية، وبقدر السرعة الرهيبة التي يكتب بها الجيل الجديد هذه اللغة على لوحة المفاتيح بهاتفه أو الحاسوب المحمول، بقدر تلعثمه وبطئه إذا طلب منه الكتابة باللغة العربية، وإذا كتب فلا تستطيع قراءة أو فهم ما يكتبه، بسبب الأخطاء الإملائية الفادحة وضعف الصياغة وركاكة المفردات المستخدمة، وللأسف هذا العوار طال أصحاب الشهادات العالية والوظائف المرموقة، وأحيانا يأتي إليك موظف كبير ـ صاحب حيثية ـ يطلب منك تصحيح أو إعادة صياغة رسالة أو تقرير متعلق بعمله، لأنه سبق له أن تعرض للتوبيخ والإحراج من رؤسائه في العمل نتيجة ارتكابه أخطاء إملائية ساذجة في مراسلات رسمية، مما وضعه تحت طائلة الإساءة إلى جهة العمل.