محمد بن سعيد الفطيسي:يطرح هذا المقال بعض التساؤلات المشروعة حول تلك العلاقة بين تأثير الفواعل الاقتصادية في مسيرة الإصلاح السياسي وتطوير التنمية الاقتصادية في الدولة المعاصرة. ونقصد بالفواعل الاقتصادية الشخصيات المؤثرة والفاعلين من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والاقتصاد، والإشكاليات التي تطرحها تلك العلاقة التبادلية حينما يكون ذلك الفاعل الاقتصادي فاعلا سياسيا نتيجة وصول تلك الشريحة إلى المناصب الحكومية، خصوصا المؤثرة منها في الإصلاحات السياسية والاقتصادية.في الواقع نقف أمام بعض التعقيدات التي تحتاج إلى نوع من التعامل السياسي الحذر معها، خصوصا أننا نتحدث عن حقوق دستورية ومدنية لا بد من مراعاتها والالتزام بها. أما من جانب آخر فنحن نتكلم عن أفراد وشخصيات تملك التأثير والسلطة في التنمية الاقتصادية الوطنية، نتيجة تركز رأس المال بيدها؛ بالتالي لا يمكن تجاهل مكانة هذه الشريحة وحاجة الأنظمة السياسية لها للدفع بمسيرة التنمية الوطنية، خصوصا السياسية منها والاقتصادية، بالتالي يجب الاعتراف أولا بوجود العديد من التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية بسبب تداخل الفواعل الاقتصادية مع السياسية.في المقابل وصول هذه الفئة من أبناء الوطن إلى سدة السلطة يقابله نظرة مقابلة من بعض الفئات في المجتمع التي لديها بعض سوء الظن والشكوك في قدرة تلك الفواعل الاقتصادية التي وصلت إلى سدة السلطة حول قدرتها على الموازنة والحياد بين مصالحها الاقتصادية الخاصة والمصالح العامة. وبمعنى آخر، هل ستتمكن من فصل تلك المصالح الشخصية والأعمال الخاصة عن المصلحة العامة عند اتخاذ العديد من القرارات والتوجُّهات والسياسات العامة؟وبمعنى آخر، وجود العديد من الفواعل الاقتصادية في "عمق المؤسسات الاقتصادية والسياسية المتحكمة بمجريات العديد من القرارات ذات الصلة، خصوصا تلك التي تؤثر في حياة المواطنين ومعيشتهم ومستوى دخلهم. يجعل من تصرفاتهم وسلوكياتهم تنعكس سلبا أو إيجابا على النظام السياسي وثقة المجتمع والراي العام به نتيجة الارتباط بين المجالين الاقتصادي والسياسي في الحياة العامة".نطرح بعض الأمثلة التاريخية على ذلك السياق، حيث يقول شيفير وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد حول صعود تاماني هول ـ وهو تنظيم سياسي في مدينة نيويورك. تأسس في عام 1786م وأُدرج في 12 مايو 1789م، باسم جمعية تاماني. وكان هو الآلة السياسية للحزب الديمقراطي والذي لعب دورًا كبيرًا في السيطرة السياسية على مدينة نيويورك وولاية نيويورك ومساعدة المهاجرين ـ وأبرزهم الأيرلنديون ـ في المشاركة في الحياة السياسية الأميركية في الفترة من تسعينيات القرن الثامن عشر وإلى ستينيات القرن العشرون ـ في مرحلة اندمجت فيها شرائح النخب السياسية ونخب رجال الأعمال على قمة المنظمة بقوله" جمعت تاماني بين حكومة المدينة وثروة رجال الأعمال في مزيج هائل كان من القوة بحيث حد من المنافسة السياسية، وفي الحالات التي كان يطغى فيها السياسيون من رجال الأعمال حد أيضا من المنافسة الاقتصادية"(1 )لذا يجد بعض المنظِّرين والمراقبين أن وصول هذه الشريحة إلى سدة السلطة إساءة "للاقتصاد وللسياسة معا، حيث لا يمكن للاقتصاد أن يتطور في ظلها بسبب وجود بيئة تنعدم فيها شروط المنافسة الاقتصادية، حيث من الصعب إلى حد بعيد أن تخرج المنافسة في ظل المهيمن أو المحتكر الاقتصادي، أو أن تجد قرارات اقتصادية حقيقية في وجود صاحب مصلحة في سدة السلطة، كما لا يمكن للسياسة هي الأخرى أن تتطور بسبب هيمنة المال والمصالح الفئوية على الشأن السياسي"( 2)هنا يجب أن نقف بإنصاف قبل التشكك أو السخط، فهذه الشريحة هي جزء لا يتجزأ من المكون السياسي والاجتماعي الوطني بلا شك، ولا شك أن دورها في التنمية الوطنية مهم للغاية، بل يقوم الاقتصاد في جزء غير هين منه على بعض قوتها المالية ورأس مالها الاقتصادي، كما أن وجود بعض من هذه الشخصيات في السلطة يمكن أن يساعد من خلال خبرتها على الدفع بمسيرة التنمية والاقتصاد.لعل هذه الإشكاليات والتعقيدات التي تؤثر في الاستقرار السياسي وبناء الثقة الوطنية تواجه معظم الحكومات حول العالم، إلا أن ما يفرق بين حكومة وأخرى يتضح من خلال قدرة النظام السياسي نفسه على ضبط الجزء الأكبر من تلك المصالح الشخصية والفئوية عبر قوانين صارمة والحدِّ من تأثير القرارات والتوجُّهات والسياسات الصادرة عن تلك الفئة عبر رقابة سياسية ومالية وإدارية، بالإضافة إلى وجود قضاء وإعلام لهما دور فعلي في الرقابة الوطنية الشاملة.باختصار. إذًا لا يمكن حرمان هذه الشريحة أو الفواعل الاقتصادية من الوصول إلى السلطة، فهذا الأمر مخالف للحقوق الدستورية والسياسية، كما أن الأوطان بحاجة لمثل هذه الشريحة القوية في بناء الاقتصاد الوطني، على أنه وفي ذات الوقت يعد تميكن هذه الشريحة من السلطة دون رقابة أو قيود أو ضوابط قانونية صارمة من الأخطاء الجسيمة والإشكاليات السياسية التي تحول دون تقدم التنمية السياسية والاقتصادية بالإضافة إلى أنها تعيق حركة الإصلاح السياسي.إذًا من الضروري معالجة مثل هذه التحديات والتعقيدات التي تؤثر في حركة الإصلاح السياسي وتطور التنمية الاقتصادية نتيجة تداخل الفواعل الاقتصادية، وتحولها إلى فواعل سياسية عبر ضوابط رقابية سياسية وقانونية ( 3)، تعمل على كبح تداخل المصالح الخاصة لتلك الفئة مع المصلحة العامة، بالإضافة إلى محاربة أشكال الفساد الذي يمكن أن يحدث نتيجة ذلك التداخل، كما كانت لنا توصيات حول هذا الأمر في مقالات سابقة نشرت في هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن) في هذا العام سنذكر عناوينها فقط تجنبا لإعادة طرح تلك التوصيات من جديد، وهي مقال أثر الإصلاحات السياسية الأخيرة على مسيرة التنمية الوطنية، ومقال توزيع الإدارة السياسية من المركز إلى الأطراف، ومقال عرقلة الفساد في الدولة المدنية الحديثة "اقتصاد قوي في مقابل مؤسسات ضعيفة" وأخيرا مقال محفزات الإصلاح السياسي (المكاسب والمخاطر الاقتصادية للوظيفة التواصلية للحكومة مع المواطن).ــــــــــــــــــــــــــــــمراجع1 ـ - مايكل جونستون، متلازمات الفساد – الثروة والسلطة والديموقراطية – ترجمة: د. نايف الياسين، ط1/2008م2 ـ - محمد بن سعيد الفطيسي، الأدوات السياسية ودورها في تحقيق الإصلاح في الإدارة العامة، صحيفة الوطن العمانية، 8 مايو 2017، على الرابط: https://alwatan.com/details/192064، انظر كذلك مقال بين الاقتصاد والسياسة، موقع صحيفة القدس العربي بتاريخ 11/ ابريل/ 2013م3 ـ - من أهم القوانين في سلطنة عمان والتي تعمل على هذا الأمر القانون رقم 112 لسنة 2011 حول حماية المال العام وتجنب تضارب المصالح، كما صدر المرسوم السلطاني رقم (64/2013) بالموافقة على انضمام السلطنة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، كما أرجو أن تكون التعديلات التي سيتم إجراؤها على قانون حماية المال العام سابق الذكر والتي تم التصريح بها قبل فترة والهادفة إلى تعزيز الشفافية والإجراءات الحكومية المُتخذة لمكافحة الفساد تسهم في الحد من الإشكاليات والتحديات التي تطرق إليها المقال.