محمد بن سعيد الفطيسي:مفردات غريبة أو بالأدق مستغربة ما زلنا نسمعها وتتكرر في وزاراتنا الخدمية بين الحين والآخر، لا تكمن غرابتها في عدم إمكانية وقوعها أو عدم مصداقيتها، بل الغرابة في استمرارها في ظل وجود العديد من الحلول، خصوصا أننا ندخل في عصر التقنية والتكنولوجيا والحكومات الإلكترونية من جهة، ودوام التأكيد على مساعي تقليص البيروقراطية وارتباط المؤسسات بالأعمال لا بالأشخاص.من أبرزها أن تراجع مؤسسة حكومية وأوراقك مكتملة باستثناء توقيع المدير أو المدير العام أو رئيس القسم؛ أو الموظف المختص، ولكن يقال لك إن المدير للأسف الشديد اليوم مريض يمكن (يداوم باكر)، بالتالي راجعنا غدا، طبعا يمكن أن يستمر مرض المدير لأكثر من يوم، دون تفويض أحد بالحلول مكانه، والمطلوب أن ينتظر المراجع حتى يمنَّ الله عليه بالشفاء؛ فالجهة لم تفوض بديلا عنه.أيضا المدير العام اليوم عنده احتفال، راجعنا غدا، وتراجع في الغد فيرد عليك للأسف اليوم أيضا عنده اجتماع، والأسوأ عندما تراجع فيقال لك النظام متوقف، فتسأل: متى سيعمل؟ فيأتيك الرد الطبيعي من الموظف: (والله ما نعرف) راجعنا غدا، يمكن يشتغل، وطبعا يمكن ما يشتغل.طبعا هناك مفردات أخرى في ذلك المعجم الطويل للأسف الشديد، مثل موضوعك عند فلان أو موضوعك (ما معنا) أو ما من اختصاصنا، أو من اختصاص جهة أخرى، وعندما تذهب إلى الجهة الأخرى ترد عليك ليس من اختصاصنا ارجع للجهة الأولى..إلخ، وتبقى تدور وتلف ما بين دائرة وأخرى وموظف وآخر حتى يمنَّ الله عليك بمصباح علاء الدين، أو أن تجد موظفا تأخذه الشفقة عليك.على العموم، أين تكمن المشكلة في مثل هذه السلوكيات الإدارية المستغربة في العصر الرقمي؟ وهل المشكلة تكمن في مرض المدير أو اجتماع المدير العام أو في النظام المتوقف؟ هل أصل المشكلة في عدم اختصاص بعض الموظفين أو عدم معرفتهم بالجهة المختصة؟ هل المشكلة في أن من يقابلك من بعض الموظفين كأنه يتفضل عليك بالخدمة؟أقول: من الطبيعي أن يمرض الموظف، فهو بشر في نهاية المطاف، ومن الطبيعي كذلك أن يحضر المدير العام اجتماعا أو احتفالا، ومؤكد أن الأنظمة تتوقف وتتعطل. والموظف من الضروري أن يتناول وجبة الإفطار، ولدى الجميع ظروف طارئة وقاهرة لا بد أن يتم تقديرها.ولكن.. المخجل أن يبقى المراجع يتردد على المؤسسة الحكومية لمدد طويلة وغير مبررة بسبب ذلك، ومصالحه متوقفة، ويخسر وقتا ومالا بسبب الذهاب والإياب، ولعل البعض لا يملك مركبة مثل كبار السن أو من لا يعرف القيادة فيضطر لاستئجار مركبة أو أخذ مركبة أجرة، ولعل في أحيان أخرى تترتب على ذلك التأخير غرامات مالية أو تلفيات جسيمة أو حتى خسائر في الأرواح.المخجل أن بعض الموظفين يشعرك بفضل خدمته، وكأنه يعطيك شيئا من جيبه، والبعض الآخر يتعامل معك بكل برود وعدم إحساس بالمعاناة، فيصعب عليه حتى الاعتذار عن عدم قدرته على إنجاز معاملتك أو رفضها بكلمة طيبة أو برفق، وقد تصادف من يرغب في التخلص منك فيحيلك إلى جهة أعلى بعذر إمكانية قدرتها على تخليص معاملتك رغم أنه على يقين من عدم إمكانية ذلك، والعديد من السلوكيات والتصرفات التي يفترض أن يتم القضاء عليها في ظل وجود أجهزة رقابية ومحاسبية.والسؤال المطروح هنا موجَّه لجميع الأجهزة المعنية وذات الاختصاص بالدولة... مجلس الوزراء الموقَّر، الأجهزة الرقابية والمحاسبية في الدولة: ألا توجد حلول للقضاء على مثل هذه السلوكيات الإدارية غير المحببة ولكنها تحدث كل يوم في مؤسساتنا الرسمية؟ بل والمرفوض بعضها إداريا وسلوكيا وأخلاقيا؛ لأنها تؤثر سلبا على خدمة المراجعين وثقتهم في مؤسسات الدولة والمسؤولين القائمين عليها، ألا توجد حلول ممكنة للحدِّ من هذه السلوكيات التي تؤثر على الاستثمار والاقتصاد الوطني؟ألا توجد حلول وقائية يمكن من خلالها القضاء بشكل نهائي على هذه المشكلة أو على أقل تقدير التخفيف من معاناة المراجعين في مثل هذه الظروف؟ هل من المقبول أن تبقى هذه المفردات قائمة في مؤسساتنا الخدمية في العصر الرقمي والإدارة المرنة والحكومة الإلكترونية ومحاربة البيروقراطية؟هل من المقبول أن تبقى مؤسسات الدولة الخدمية مؤسسات مرتبطة بالأشخاص إن حضر الموظف أنجزت المعاملة، وإن غاب لسبب آو لآخر توقفت معه وتوقفت بسبب ذلك مصالح المراجعين؟!المشكلة باعتقادي مرتبطة بالنظام وبالإجراءات والبدائل، ومن المؤكد أن هناك العديد من الحلول في مثل هذه الظروف والمواقف والسلوكيات. مثل التفويض المباشر للصلاحيات، أو الحلول المباشر للبديل مكان الأصيل وبشكل تلقائي وبكامل الصلاحيات، أو التحول إلى التوقيع الإلكتروني، أو عبر تدخل الأجهزة الرقابية والمحاسبية بشكل مباشر للحدِّ من بعض سلوكيات وتصرفات الموظفين في المرفق العام، أو عبر الرقيب السياسي للتدخل لإيقاف بعض القرارات الضارة بمصالح المراجعين إلى حين.ختاما، نؤكد على أن القضاء الإداري في سلطنة عمان ذهب إلى أن تأخر المرفق العام أو تباطؤه عن أداء تلك الخدمات دون مبرر، أو أكثر من اللازم وعلى هذه الكلمة بعض التحفظ؛ لأنها تفتح مجالا واسعا للتفسير مما يضر بالأفراد ومصالحهم يحمل الإدارة المسؤولية، بل يعد تعسفا في استخدام السلطة رغم أن القانون لم يلزم الإدارة بأداء خدمتها خلال مدة معيَّنة؛ لأن ذلك يدخل في سلطتها التقديرية.وحول جانب تلك السلطة التقديرية نقف قليلا ونقول: هو أمر يجب أن يتم حسمه والحدُّ منه كذلك من قِبل من يملك صلاحية ذلك كمجلس الوزراء الموقَّر بشكل قانوني ومنطقي، لا ضرر ولا ضرار، ومن وجهة نظري فهو في حد ذاته سبب من أسباب التأثير السلبي في نمو وتطور الاقتصاد وهروب المستثمرين وضياع مصالح الأفراد.وقد اتجهت العديد من دول العالم اليوم للحدِّ من تلك التحديات والمشاكل الإدارية عبر تحديد مدد معيَّنة ومحددة وقصوى لإنجاز معاملات المراجعين، وأعلنت عنها رسميا وأكدت عليها في مواقع مؤسساتها على شبكة الإنترنت، بل والبعض ألزم نفسه بذلك من باب تعزيز جوانب الثقة والشفافية والمصداقية، الأمر الذي يمكن المراجعين من الاطمئنان على سير معاملاتهم وسرعة إنجازها من جهة، ويمكن المراجع اللجوء إلى قضاء التعويض في حال عدم التزام المؤسسة بما ألزمت به نفسها أو ألزمها القانون بذلك، وهو أمر إيجابي سيدفع مؤسسات الدولة إلى التحول إلى جانب الإدارة المباشرة والبحث عن حلول وبدائل سريعة للعديد من مشكلاتها والعقبات التي تواجهها وفي إطار القانون.