د. رجب بن علي العويسي:انطلاقا من المبادئ الأمنية في النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (6/2021) التي وضعت في أحد مبادئها سلامة الوطن أمانة في عنق كل مواطن، يظهر مدى العمق في تأطير مسار الأمن، وبناء منظومة الأمن والدفاع في عُمان، فهي من جهة تقوم على وضوح فلسفة العمل ووحدة الهدف والمصير المشترك مع التنوع والتكامل والمهنية في الأدوات المحققة للجاهزية، والقادرة على توفير الضمانات لنجاح هذه الاستراتيجيات والسيناريوهات على الأرض، وكفاءة العمليات المشتركة، وتقاسم الأدوار مع وجود محددات واضحة تتناغم مع طبيعة الاختصاص تناغم بين أجهزتها وتشكيلاتها، ومن جهة أخرى تبرز روح التجديد في منظومة الأمن والدفاع والتي باتت تتجه إلى الإنسان ورعايته وصون موارده وممتلكاته والمحافظة على وجوده، والحيلولة دون المجازفة به عند الأزمات والجوائح والحالات الصعبة، لذلك فهو يتبنى رؤية أكثر شمولية واتساعا وتفاعلية تتجه للإنسان بكل ظروفه، والعوامل المؤثرة فيه مراعيا حاجاته وأولوياته واهتماماته، ويتفاعل مع حياة الإنسان في أبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية والسلوكية والأخلاقية والغذائية والجسمية والصحية وغيرها، لذلك جاءت المبادئ الأمنية ترجمة عملية لبناء وطن آمن مستقر، وإنتاج حياة آمنة مطمئنة تنعكس نواتجها على الإنسان في استقراره المعيشي وأمنه على نفسه وماله وحياته وقدرته على ممارسة عاداته اليومية السليمة بكل أريحية واطمئنان.وعليه، فإن تجسيد صورة التناغم الحاصل بين مؤسسات الأمن والدفاع الوطنية، ممثلة في قوات السلطان المسلحة بأسلحتها المختلفة البرية والبحرية والجوية، والحرس السلطاني العماني، وقوة السلطان الخاصة، إضافة إلى شرطة عُمان السلطانية بوحداتها وتشكيلاتها البرية والبحرية والجوية، والأجهزة العسكرية والأمنية الأخرى، في التعاطي مع الحالة المدارية " شاهين" التي تعرضت لها بعض محافظات السلطنة وبشكل خاص ولايات محافظتي شمال الباطنة وجنوبها في الثالث من أكتوبر، والتي شاركت فيها بكل فخر واعتزاز منظومة الأمن والدفاع بكل أجهزتها وتشكيلاتها، لتقف شامخة في ميدان العمل، وعرصات العطاء، ومواقع الحدث، لتؤدي دورا بطوليا آخر خارج الثكنة العسكرية وحصون الأمن الشامخة، لا يقل كفاءة ومهنية في أصالته وأهميته وأولويته، عن دورها في حماية الوطن وتأمين حدوده الخارجية، أو رعاية المواطنين وتحقيق النظام، والحضور النوعي للمؤسسة العسكرية والأمنية في ميادين البناء والتطوير، والعطاء والإنجاز، ومواقع العمل والمسؤولية، ومشاركة المواطنين مسؤولية إزالة كل المشوهات والأتربة والمخلفات من الأماكن العامة والمنازل المتضررة، الناتجة عن الحالة المدارية، لتسهيل رجوع المواطنين إليها وجاهزيتها لاستخدامها، وضمان عدم وجود أي توابع أو أضرار ناتج عنها على حياة المواطنين، إضافة إلى دورها في التنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة، في إعادة تأهيل الطرق المتضررة ورفع المخلفات من الشوارع والأماكن العامة، والمساهمة في إصلاح شبكات الكهرباء والماء والاتصالات، وتوفير مياه الشرب والمؤن الغذائية والطبية للمواطنين والمقيمين في المناطق المتضررة والبعيدة التي يستخدم فيها طيران سلاح الجو السلطاني العماني وطيران الشرطة، طائراته العمودية المخصصة لنقل المؤن والأغذية وتوفير أدوات الإسعافات الضرورية وغيرها، منطلقة في استراتيجيات عملها، من ثوابت وطنية أصيلة، لا محيد عنها، ومنهجيات واضحة، وسيناريوهات محكمة، وفلسفة عمل عنوانها الإنسان، سطرها منتسبو الأجهزة العسكرية والأمنية في كل مواقع الواجب الوطني المقدس، تأكيدا منها على إنسانية الأمن، واجتماعية مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وعمق الترابط الحاصل بين المنظومة العسكرية والأمنية والمنظومات المدنية، والمواطنين والشباب والمتقاعدين وغيرهم للقناعة بأن التناغم الوطني المؤطر والموجه وفق خطط أداء واعدة، واستراتيجيات متقنة ومسارات تنظيمية وتخطيطية فاعلة، الطريق لبلوغ الأهداف وضمان جاهزية الخطط العملياتية في التعاطي مع الحالة الطارئة، وترقية المفاهيم والقِيَم والاستراتيجيات المعنية بإدارة الحالات الطارئة، كالجاهزية وكفاءة الإجراءات الثابتة وتمكين قطاعات العمل، والتخطيط والتنظيم، وسيناريوهات التنفيذ، والإخلاء والإيواء، والإسعاف والإنقاذ.لقد شكلت منظومة الأمن والدفاع ملحمة وفاء ماجدة للوطن وإنسانه، في الحدِّ من التأثيرات الناتجة عن الحالات المدارية الطارئة "شاهين" فكانت استراتيجية عمل اللجنة الوطنية لإدارة الحالة الطارئة والمركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، واللجان الفرعية لإدارة الحالات الطارئة بالمحافظات، واللجنة العسكرية لإدارة الحالات الطارئة، خير شاهد على جاهزيتها في إدارة الحالات الطارئة، مسخرة ما تمتلكه من تجهيزات ومعدات متطورة وأجهزة إغاثة وأماكن إيواء، استجابة لنداء الوطن، بما أعطى صورة فريدة من نوعها سيكتبها التأريخ وستشهد عليها الأجيال في ملحمة البناء الإنسانية والوطنية التي قدمتها جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة المدنية، والمواطنين، سواء كان قبل وفي أثناء وبعد الحالة المدارية، في عمليات الإسناد والمساعدة والإغاثة والإيواء والإنقاذ والتعامل مع البلاغات، والإخلاء للسكان من المناطق الساحلية والمنخفضة إلى أماكن الإيواء، أو عبر توفير المؤن والأدوات الاستهلاكية والغذائية ونقلها إلى الأماكن المتضررة في ولايتي السويق والخابورة وأجزاء من ولاية المصنعة، لتعطي بحق صورة مشرقة من البطولة والتضحية والفداء والولاء والانتماء جسدتها الجندية العسكرية العمانية في مختلف مواقع العمل العسكري والأمني.وفي الوقت نفسه لم تكن هذه الصورة المشرقة من التلاحم الذي قدمته منظومة الأمن والدفاع بقطاعاتها المختلفة وأجهزتها وتشكيلاتها ومعايشتها للظروف اليومية التي يعيشها أبناء الولايات المتضررة بالحالة المدارية، وجهودها الكبيرة وتسخيرها كل طاقاتها وقدراتها والممكنات لديها بما تمتلكه من لوازم ومعدات وتجهيزات لإزالة المخلفات المتراكمة من مركبات وأتربة وأشجار وأعمدة كهرباء وغيرها في الأماكن العامة ومنازل المواطنين المتضررة، حالة وقتية في الحياة العسكرية والأمنية العمانية، فعلى مدى خمسة عقود مضت، انخرطت خلالها منظومة الأمن والدفاع بمختلف تشكيلاتها في ميادين العطاء الوطنية، تتقدمها في ميادين العطاء والواجب قوات السلطان المسلحة وأجهزة الأمن الساهرة، شاقة طريقها نحو المستقبل في بناء الدولة وتأسيس منظوماتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وإنشاء البنية الأساسية الذي كان لقوات السلطان المسلحة فيها شرف الخدمة وأداء مسؤولياته والقيام بالواجب التنموي جنبا إلى جنب مع مسؤوليتها العسكرية، وعبر شق الطرق وإيصال المؤن للمواطنين في أعلى الجبال وبطون الأودية، في الجزر والمرتفعات، والأماكن البعيدة، آخذة بيد الإنسان العماني لما فيه خير الوطن وسعادة المواطن وتلمس احتياجاته، وتستمر جهودها في التعامل مع الحالة المدارية " شاهين"، وتوفير شتى أشكال الدعم والمساعدة اللازمين للتخفيف من حدة تلك التأثيرات على المواطنين، لتستمر إلى مرحلة ما بعد الحالة في سرعة الاستجابة لإعادة الخدمات الأساسية، وتخفيف الأضرار وتقليل المخاطر، مما كان له أثره الطيب في استدامة مشاعر الرضا والتقدير التي تحظى بها قوات السلطان المسلحة وشرطة عُمان السلطانية، فغمرها أبناء عُمان المخلصون بمزيد من التقدير والاحترام، والفخر والاعتزاز، يتجلى ذلك في ما تؤسسه الأيام الوطنية الخالدة، مثل: يوم القوات المسلحة، ويوم الشرطة، ويوم الحرس السلطاني، ويوم البحرية السلطانية العمانية، ويوم القوة الخاصة وغيرها، من صدق الانتماء والشعور بالفخر والاعتزاز، بأن عُمان وشعبها الوفي بين أيدٍ أمينة ترعاها، وتحافظ عليها، وتسهر من أجلها، وتصون مقدساتها، واعترافا بما خلدته في الذاكرة العمانية من مآثر وبطولات ومواقف عظيمة سيسجلها التاريخ في ذاكرة الوطن المعطاء مدد للأجيال القادمة.إنها عُمان " يد تبني الوطن ويد تحمل السلاح" دفاعا عن شرفه، وحفظا لكرامته وصونا لمقدساته، وهي عُمان "فكلّ يد تبني عُمان، لها منا كل التقدير والامتنان" وإن الدور الماجد الذي بذلته قوات السلطان المسلحة وشرطة عُمان السلطانية، محطة تاريخية سيسجلها التاريخ يستدعي ترسيخه في الأجيال وتعريفهم بالتضحيات والبطولات التي قدمها أبناء عُمان في سبيل نهضة بلادهم، من هنا فإن نشر ثقافة الجندية والتعريف بها وتمكين حضورها في ثقافة الأجيال وتمكينهم من فهم مقتضياتها وأولوياتها وموجهات العمل بها، يضعهم أمام فرصة التعمق فيها والتمسك بها، والسعي لتطبيقها والاعتراف بها كمنطلق لبناء ذاتهم وتحقيق نجاحاتهم، لذلك كانت رؤيتها قائمة على استدامة هذا العطاء وامتداد خيوطه في إطار تكامل المسؤولية نحو ترقية الأداء الوطني، وهي بكل خطواتها تجسد روح الجندية العمانية في كفاءتها وانضباطها وحضورها الاجتماعي في حياة المجتمع وجهود التنمية والتطوير فيه، وما أكسبه ذلك من التقدير الاجتماعي والاحترام لهذه للجهود.لقد رحل "شاهيــن" تاركا إرادة العمانيين وعزيمتهم خير زاد، وأعظم مكسب، وأكبر فخر في تضميد الجراح، وتجاوز كومة ما خلفه من دمار أو تركه من مآسٍ وانكسارات وأضرار في البنية الأساسية والممتلكات والثروات والمنازل والمزارع وغيرها كثير؛ رجال أخلصوا لعُمان وشعبها وسلطانها، في همّة وصبر، وعزيمة وإرادة، وصدق وإيمان، وثقة ورضا بما كتبه الله من أمر، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل، ليزيدهم ذلك شموخا وعزة، وقوة وصلابة، وحكمة وإدارة، ووحدة وتضامنا، والتفافا حول وطنهم، ووقوفا بالنفس والمال والعتاد والمؤن في مساعدة المتضررين في هذه الولايات وقراها، ملحمة وفاء قلّ نظيرها وغاب شبيهها، ستسطرها الأيام بأحرف من نور، وتنسجها مواقف وقصصا وعِبرا ونماذج عمل أصيلة للأجيال القادمة، لتبقى حاضرة في جبين الدهر حكمة بالغة، وعطاء ماجد، لـ"رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه".