محمود عدلي الشريف:أيها الإخوة الأحباب: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، واسمحوا لي أن أتحدث معكم في موضوع غاية في الأهمية، وأرجو أن يلتفت إليه الجميع، فإن بعض الناس تراهم يبرعون أشد البراعة في استهلاك المال، وانفاقه فيما هو مفيد وفيما لا فائدة منه، بل إنك تجد أنهم ينفقون المال ببراعة مذهلة، وكأنهم يتسابقون في ذلك، كأنهم سيأخذون الجوائز بعدما يفرغون مما يملكون من أموال.. شيء غريب!.. فعلًا؟، وما دعاني لأن أتأمل في هذا الموضوع، بل ما دفعني أن أكتب فيه، ما رأيت من بعض الناس مع بداية استقبال العاد الدراسي الجديد، فقد ذهبت ككل الناس إلى المتاجر لأشتري ما يحتاج إليه الأولاد من مستلزمات الدراسة، وبينما أنا أشتري رأيت شيئا عجيبا، أولياء الأمور يشترون بدون تفكير أو هوادة، نعم بالفعل يشترون بشكل مكثف، سبحان الله! تراهم يشترون ما يريده أولادهم ومالا يريدونه، يشترون المطلوب وما ليس له طلب.صدقوني ـ أيها الإخوة الأحباب ـ وما جعلني أقتنع بكتابة هذه الحلقة تحت هذا العنوان رأيت أحد الإخوة ومعه طفل سيدخل الصف الأول الأساسي وتعارفنا وأخذنا نتحدث، وفجأة أجده يأخذ أشياء ليست لازمة لسن ولده، فمثلًا رأيته يشتري له آلة حاسبة وطابعة وأوراق بمستلزماتها، فضلًا عن جميع أنواع الأقلام والألوان والأدوات، فقلت: يا سبحان الله! هذه الأشياء أكبر من سنه واحتياجاته بكثير، فسألته: يا أخي هذه الأشياء أكبر من سن ولدك وهي ليست مطلوبة منه إنه سيدخل صف أول، فلماذا هذا الإسراف؟ فقال لي إجابة عجيبة جدًّا، قال: إن هذه الأشياء أعجبت الولد فطلبها مني، فاشتريتها له، قلت له يا أخي حتى وإن كانت لن تستخدم ولن ينتفع بها، فقال لي إجابة أعجيب قال:(خليه يلعب)، فقلت يا سبحان الله!! لو طلب منه أن يتبرع بهذه الأشياء الزائدة عن طلباته، لضنَّ بها،ثم أخذت أقلب ناظري بين الناس فوجد البعض لا يختلف كثيرا عمن سبق الحديث عنه، بل لفت نظري أن أحد الإخوة يشتري دفاتر هو يختارها بنفسه وليس أولاده، فقلت له: يا أخي هل طلب هذه الأشياء المدرسون؟ فقال: لا لكن ممكن يطلبوها، فقلت له: هذه دفاتر أوراقها تبلغ المائة ورقة، فماذا تفعل إذا طلب المدرس دفترًا تبلغ أوراقه ستين ورقة فقط؟ فقال: طبعًا أشتري له دفتر الستين، قلت: وهذه الدفاتر ماذا تفعل بها؟ قال: أهو ممكن تنفع.يا إخواني: الأمر ليس هكذا، لماذا نعمل عقولنا فيما يضر؟ ونوقفها أمام ما ينفع؟ إن الاستهلاك ينبغي أن على قدر الحاجة؟ سبحان الله!! لماذا نأتي بما لا نبغي؟ ولماذا نزيد مما لا نريد؟ ولماذا نطلب ما لا نرغب؟ ولماذا نشتري ما نحن عنه نستغني؟.أما تعلموا ـ إخوتي وأخواتي ـ أننا لو تأملنا حياة رسول الله (صلوات ربي وسلامه عليه) لوجدناهم قد آثر النبيُّ (صلّى الله عليه وسلّم) وأصحابه والصالحون بعدهم اجتنابَ نعيم العيش ولذَّته ليتكامل أجرُهم ولئلا يُلهيَهم عن مَعادهم، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وهو مضطجع على خَصَفة وبعضُه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوَّة ليفاً، فقال: يا رسول الله، أنتَ نبيُّ الله وصفوتُه، وكسرى وقيصر على سُرُر الذَّهب وفُرُش الدِّيباج والحرير؟! فقال (صلّى الله عليه وسلّم):(يا عمر، إنّ أولئك قوم عجّلت لهم طيِّباتُهم، وهي وشيكة الانقطاع، وإِنّا أُخِّرتْ لنا طيِّباتُنا).فالحذر الحذر من الشراء لغير حاجة، والإسراف الذي يهلك صاحبه، فكم من أناس دارت بهم الدنيا، فذلوا من بعد عز، وفقروا من بعد غنى، وضاقت بهم الدنيا بعد رحبها، وتكففوا الناس بعد أن كان الناس يسألونهم، إنها حكمة العلي القدير، فلماذا نظلم أنفسنا بما تفضل الله تعالى علينا به من نعمة، تدبروا معي وتفكروا ولنجب جميعا على هذا السؤال: كيف تصبح النعمة نقمة؟ وسأترك الإجابة عليه لكم أنتم، تأملوا معي كيف أدرك سيدنا سليمان أن نعمة الله تعالى التي أودعه إياها كانت من الامتحانات التي يمتحن الله سبحانه عباده بها، ولو لم يدرك ذلك لاغتر بما أعطاه الله له فهلك،يقول صاحب (روح البيان 6/ 350):(فلما رأه مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) حاضرًا لديه تابتا بين يديه في قدر ارتداد الطرف من غير خلل فيه ناشئ من النقل قالَ سليمان تلقيا للنعمة بالشكر هذا أي حصول مرادي وهو حضور العرش فب هذه المدة القصيرة مِنْ فَضْلِ رَبِّي علىّ وإحسانه من غير استحقاق منى لِيَبْلُوَنِي ليختبرني وبلاه يتضمن أمرين أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من امره والثاني ظهور جودته ورداءته أَأَشْكُرُ بان أراه محض فضله تعالى من غير حول من جهتي ولا قوة وأقوم بحقه أَمْ أَكْفُرُ بان أجد لنفسي مدخلًا في البين واقصر في اقامة مواجبه. (قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ) هذه النعمة التي تفضل بها علىّ برؤية العجز عن الشكر (أَمْ أَكْفُرُ): قال قتادة فلما رفع رأسه قال الحمد لله الذي جعل في أهلي من يدعوه فيستجب له (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لان الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة (وَمَنْ كَفَرَ): أي لم يشكر بأن لم يعرف قدر النعمة ولم يؤد حقها فإن مضرة كفره عليه،(فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ) عن شكره كَرِيمٌ بإظهار الكرم عليه مع عدم الشكر أيضا وبترك تعجيل العقوبة، قال في المفردات: المنحة والمحنة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين،وبهذا النظر قال عمر ـ رضي الله عنه:(بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر)، ولهذا قال ـ رضي الله عنه:(من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله)، قال الواسطي:(في الشكر إبطال رؤية الفضل، كيف يوازى شكر الشاكرين فضله، وفضله قديم وشكرهم محدث)، (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأنه غنى عنه وعن شكره. وقال الشبلي رحمه الله: الشكر هو الخمود تحت رؤية المنَّة.[email protected]*