ما زالت أغانيها تعيش فـي ذاكرتنا

حاورها ــ وحيد تاجا:
المطربة اللبنانية هيام يونس إحدى من أهم مطربات الزمن الجميل فما زالت أغانيها وقصائدها تعيش في ذاكرتنا ونرددها دائما.. من (تعلق قلبي طفلة عربية)، و(رمت الفؤاد مليحة عذراء) و(دق أبواب الناس كلها)، الى سمراء.. وعذراء وغيرها.. حازت مؤخرا شهادة الدكتوراه الفخرية من المنتدى الدولي للسلام والدفاع عن حقوق الإنسان التابع لمجلس الشباب التونسي، والتي جاءت تتويجا لمسيرتها الفنية والتزامها العميق بأجمل ما حمل الشعر والنغم في العالم العربي، وبهذه المناسبة التقت (الوطن) بهيام يونس وخرجنا بهذا الحوار حول تاريخها وطفولتها وأغانيها.

✱ ماذا تحمل الذاكرة من صور لأهم المفاصل والأحداث التي تركت أثرا ولعبت دورا في حياتك الفنية؟
✱✱ الحديث عن البدايات يعيد إلى الذاكرة صورة الفتاة الصغيرة التي لم تتجاوز الثالثة من عمرها وهي تصعد الى خشبة المسرح في بيروت، أثناء استراحة في احدى الحفلات الغنائية، وتقول لقائد الفرقة الموسيقية بصوتها الطفولي البريء: (دقلي بدي غني)، ويومها غنيت لأم كلثوم أغنية (ريم على القاع) و(سلوا قلبي) و(غنيلي شوي شوي) وعلى اثرها لقبت بالطفلة المعجزة، ويمشي شريط الذكريات لنرى تلك الفتاة وهي لم تتجاوز الخامسة من العمر وهي تقف أمام أشهر عمالقة الشاشة المصرية آنذاك (أمينة رزق وكمال الشناوي وزكي رستم، وشكري سرحان..) في فيلم (قلبي على ولدي)، وإن لم تخني الذاكرة كان ذلك عام 1953، بعدها عدنا الى لبنان وكان عمري 9 سنوات حين مثلت في الفيلم اللبناني (إلى أين) كتبه المخرج المسرحي المصري جلال الشرقاوي وقام بإخراجه جورج نصر وشاركت في بطولته أيضا شقيقتي نزهة يونس، وهو الفيلم الذي وضع لبنان على الخارطة السينمائية في العالم، وحاز على جوائز في مهرجان (كان) السينمائي. ومن ثم ابتعدت عن التمثيل واحترفت الغناء وتعلمت في مصر أصول الموسيقى والمقامات العربية والعزف على آلة العود على يد الموسيقار سليم الحلو، وكانت أغنية (دق بواب الناس) هي أوّل ما لحنتُه، كما لحنت (عيناه لبن على سكر).

✱ القليل من الجمهور الذي يعرف أنك شاعرة هل يمكن الحديث عن علاقتك بالشعر؟
✱✱ من وعلى مقاعد الدراسة وبعُمر التاسعة عشقت الأدب العربي والشعر، وبدأت بمراسلة الأدباء والشعراء العرب: نزار قبّاني، ميخائيل نعيمة، يوسف السباعي، إحسان عبدالقدّوس وغيرهم، لآخذ رأيهم بكتاباتي، وتبنتني دار الصياد مشروع أديبة وأنا في هذا السن، وكتبت العديد من المقالات والقصص والأشعار ورسائل اسبوعية كنت أرسلها لوالدي، بعد وفاته رحمه الله، بعنوان (رسائل إلى بابا)، كما كتبت قصيدة رددت فيها على الشاعر الراحل نزار قباني حينما نشر قصيدة (لوليتا تغزو الشرق).
وأيضاً كتبت قصائد مُنمنمة غنائية، مثل:
أتحدّى البُعد يُباعدُنا..
فلقاءُ الروحِ بإمكاني..
أتحدّى الهجرَ يُفرّقنا..
فأنا إخلاص وتفاني..
ومن شدة تعلقي بالشعر غنّيت خلال مسيرتي الغنائية سبعين قصيدة عربية لكبار الشعراء العرب وهذا كان سبب تسميتي بـ (مطربة القصائد).

✱ حملتِ ألقابا خلال مسيرتك الفنية ومنها (الطفلة المعجزة )، و(اعجوبة القرن العشرين)، و(راهبة الفن)، و(نجمة الشرق)، و(مطربة القصائد)، و(المطربة المثقفة)، و(صاحبة أخطر إحساس).. وغيرها ماهو أحب هذه الألقاب الى قلبك؟ ومن أطلق عليك لقب أعجوبة القرن العشرين وصاحبة أخطر إحساس” وما هي المناسبة؟
✱✱ لا أخفيك فرحتي وسعادتي بتلك الألقاب الحلوة، ومن لايفرح ويسعد بمثل هذه الألقاب؟، ومن الصعب جدا القول بأنني أحب أو أفضل هذا اللقب أكثر من ذاك، ولكل لقب حكايته الحلوة، والتي هي جزء من تاريخي الفني، فاللقب الأول الذي افخر به كان (الطفلة المعجزة) و(معجزة القرن العشرين) وأطلقه علي الرئيس اللبناني الأسبق بشارة الخوري، وهو ذاته الشاعر الملقب بـ (الأخطل الصغير)، لما أظهرته من صوت جميل وحضور أمام الكاميرا، حسب رأيه في حينها، ولما وجده من إحساس مرهف بعد سماعه صوتي وصفني الموسيقار الراحل الأستاذ محمد عبد الوهاب (بصاحبة أخطر إحساس). وأذكر هنا أنني كنت موعودة بتلحين أغنية لي من قبل الموسيقار عبد الوهاب ولكنني لم أستطع الحصول عليه بسبب مغادرتي حينها للقاهرة، كما كنت موعودة بلحن أيضا من الموسيقار فريد الأطرش وللأسف ايضا لم يتم، ومن الألقاب العزيزة على قلبي والذي اعتز به كثيرا هو لقب (نجمة الشرق) وحصلت عليه عندما باعت إحدى الأسطوانات لمجموعة من الأغاني ووصل رقم البيع الى مليون نسخة، وقد لقبني النقاد (الجامعة العربية الغنائية) بسبب غنائي بمختلف اللهجات العربية، ولا أنسى أنني كنت من أوائل الأصوات النسائية التي غنت باللهجة السعودية وكانت أغنية (سمراء) من أوائل اغنياتي ومن ثم غنيت حوالي 250 اغنية باللهجة السعودية.

✱ وما حكايتك مع القصائد بالتحديد حتى لقبت بـ (مطربة القصائد) ؟
✱✱ أحب قراءة القصائد كثيرا واكتبها، وهذا ما ساعدني طبعا على تقديمها بشكل سلس وبسيط وربما يعود سبب اللقب الى تميزي في أداء القصائد، حيث استطعت تقديم القصائد، بحسب قول النقاد، قدمت القصيدة بطريقة سلسة وسهلة راقت للمستمعين مع اختلاف مستوياتهم الثقافية، حتى بدت هذه الأغاني أقرب لأغنية العامية مثل قصيدة (تعلق قلبي)، وسمراء، وعذراء، وما باله لايرحم، بدأت بعد ذلك في نظم القصائد القصيرة ثم القصائد الطويلة، وكتبت حوالي 70 قصيدة.

✱ لديك العديد من الأغنيات الشهيرات جدا والتي لايمكن ان تزول من الذاكرة ومنها (تعلق قلبي طفلة عربية )و(رمت الفؤاد مليحة عذراء) و(سافر يا حبيبي وارجع) ومن جانب أخر هل كنت تتوقعين ان تنال هذا النجاح حتى الآن وهل هناك حكاية ما وراء اغنية (تعلق قلبي طفلة عربية) بعد مانالت شهرة واسعة؟
✱✱ الأغاني الخالدة ليست عابرة في أذهان وعقول من يستمع إليها، بل هي تلك الأغاني التي تترسخ في الذاكرة والوجدان، وتتجدد على مرّ الزمن. وتتميز تلك الأغاني بمخاطبة المشاعر والأحاسيس في الإنسان وروحه، وفي حقيقة الأمر لم أكن أتوقع لأغنياتي هذا النجاح وهذا البقاء في ذاكرة الناس حتى الآن.. ولكن الطرب الأصيل والإحساس الصادق يبقى خالدا في ذاكرتنا.. ومعروف عني أنني مطربة صعبة جدا في انتقاء كلمات أغنياتي وألحانها، أما بالنسبة لأغنية (تعلق قلبي طفلة عربية)، وهي من أحب الأغنيات إلى قلبي، وهي من الحان الفنان السعودي طارق عبد الحكيم، وقد جمعت كل ماتحتاجه الأغنية الجميلة من كلمات ولحن وأداء فبقيت خالدة حتى الآن في ذاكرتنا ومن كلماتها:
تَـعَـلَّـقَ قَلبِـي طَفلَـةً عَـرَبِـيَّـةً /‏ تَنَعـمُ فِي الدِّيبَـاجِ والحُلِـيِّ والحُـلَلْ
لَهَـا مُقلَـةٌ لَـو أَنَّهَـا نَظَـرَت بِهَـا /‏ إِلـى رَاهِبٍ قَـد صَـامَ للهِ وابتَهَـلْ
لأصبَـحَ مَفتُونـاً مُعَـنًّـى بِحُـبِّـهَا /‏ كَأَن لَمْ يَصُـمْ للهِ يَومـاً ولَمْ يُصَـلْ
وهناك عدد من الأغنيات التي اعشقها مثل (دق ابواب الناس كلها) وكما اشرت فقد كانت أول أغنية من الحاني وأصبحت مع أغنية (تعلق قلبي طفلة عربية) تشكل هويتي الغنائية.

✱ كان ملاحظا هذا التكريم الذي كرمت فيه في جميع الاقطار العربية تقريبا في السنوات الأخيرة وكان ختامها منحك الدكتوراه الفخرية من تونس ؟
✱✱ أود هنا ومن خلال جريدة (الوطن) التعبير عن سعادتي وفرحي بشرف منحي شهادة الدكتوراه الفخرية من المنتدى الدولي للسلام والدفاع عن حقوق الإنسان التابع لمجلس الشباب التونسي، والتي اعتبرها تتويجا لمسيرتي الفنية والتزامي العميق بأجمل ما حمل الشعر والنغم في العالم العربي، وأعدكم بانني لن أخذل جمهوري الحبيب الذي احتضنني منذ طفولتي، وسيبقى الفن في قلبي رسالة إبداعية أخلاقية، وليست هذه المرة الأولى التي تكرمني تونس فيها فقد اختارتني تونس عام 2017 لبطولة مسرحية غنائية وطنية باللهجة التونسيّة، أحييتُ بعدها في تونس مهرجان (الحمّامات) الذي حضر خلاله عشرون ألف متفرج، حيث شاركني الجمهور في ترديد أغنياتي المحفوظة لديهم، وقد
حفلت السنوات الاخيرة بالعديد من التكريمات الفنية والرسمية في أكثر من عاصمة عربية، حيث قلدني رئيس موريتانيا وسامًا من رتبة فارس، وفي نفس العام، كرّمت الجزائر طفولتي الفنّية حين دعتني للمشاركة في (مهرجان السينما العربية) والذي يقام بشكل سنوي عن فيلم (قلبي على ولدي)، وكان بانتظاري لحن جزائري شعبي جميل بعنوان (يا ساحر العينين) سجلته إلى جانب تصوير التليفزيون الجزائري لي سبع أغنيات أردنية وخليجية ولبنانية ويمنية وليبية وسعودية، وفي بداية عام ٢٠٠١٨، كرّمتني في بيروت مؤسّسة (الزمن الجميل) مع سبعة من كبار أهل الغناء والتمثيل في الوطن العربي. كذلك في دار نُعمان للثقافة في بيروت كرّمتُ كمطربة مُثقّفة وأديبة، ولديّ إتفاقات غنائية عديدة إلّا ان الأزمات والثورات الاقتصادية والسياسية في بلدان عربية عديدة ألزمتها لتُعلن التقشّف وشدّ الحزام، انتهاءً بوباء كورونا الذي قضى على الآمال والأحلام.

✱ وكيف تعاملت مع وباء كورونا ؟
✱✱ حين ضرب وباء كورونا العالم أجمع، وكان لبنان الجريح يتخبّط بأعظم نكباته ( تفجير المرفأ ) والذي تصادف الان ذكراه المؤلمة، عملت المُستحيل وانا في البيت أن أكثف إتصالاتي مع من أعرف من مؤسّسات إنسانية فاعلة وحتى أشخاص أقرباء وبعيدين، علهم بشكل أو بآخر يمدّون يد العون لتخفيف وطأة هذه الكارثة وما دمرت وقتلت وشردت وحطّمت من آمال، ولم تمنعني كورونا من إطلاق صرختي ووجعي لبيروت عروس المدائن بهذه المُناجاة:
يا بيروت..
أبكيتِني دموعاً من دمّ.. يا عروسة المُدن.. البهيّة.. شمس الجمالات.. وقمر.. الزمان..
اسطورة الحبّ.. والأحباب.. بيروت.. يا مدينتي الأبدية.. أعدُكِ.. يا حِقَباً من شموخ..
سنبنيكِ من جديد.. يا ملكة القلوب.. من ترياقِ دمائنا.. ولهفة أرواحِنا.. يا بيروت... ياحبيبتي.. لن تبقيّ.. مهجورة.. لأنكِ.. للخلود أميرة..

✱ هل من كلمة أخيرة من خلال “ الوطن”؟
✱✱ أشكر جريدة (الوطن) التي صارت الآن بالنسبة لي مثل الندى في الحر القاتم، هذا الندى الجميل الذي أتاني من مسقط الحبيبة ويحكي معي في بيروت، تحية الى الشعب العماني السمح الكريم.