صالح بن سالم العلوي:
الحياة بطبيعتها لا تعرف سعادة دائمة ولا شقاء محضا فهي تطَوح بالإنسان بين العسر واليسر والمكره والمنشط، والفرح والترح، فالباري عز وجل (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) وكل شيء يجري بقضائه وقدره، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويحكم عقله ويتوكل على الله في كيفية مواجهة تحديات مواطن العسرة، بل وتحويلها إلى فرص، كما يقال من رحم المعانة تُولد الفرص. وها هي جائحة (كوفيد -19) قد ألقت بظلالها القاتمة واجتاحت كل أرجاء العالم، فبثت الرعب في النفوس بالأرقام المخيفة التي لا تكاد تفتأ تزداد يوما تلو الآخر والتي تسرد قصص معاناة العالم من غوائلها. فقد جعلت الكثيرين طريحي الفراش، وحصدت الأرواح وضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، وأغلقت الحدود بين الدول، وأوصدت أبواب المتاجر أمام المتسوقين، وغلقت أبواب المساجد أمام المصلين والذاكرين وأربكت منظومة العادات والتقاليد الاجتماعية، وحبست الإنسان بين أربعة جدران. يا ترى ما علاقة المترجم بكل ذلك بل ما هي المسؤولية الاجتماعية المترتبة عليه في هذا الشأن. لم يحدث قطّ أن برزت أهمية الترجمة في العالم مثلما برزت في جائحة (كوفيد-19) التي نشهدها في الوقت الحالي.
تسطيح المنحنى، والتباعد الاجتماعي، والانتشار المجتمعي، والحجر المنزلي، والحجر الصحي، والتعلم المدمج، مصطلحات لم تكن موجودة إلا في بطون القواميس والكتب المتخصصة واليوم أصبحت من المفردات اليومية التي يألفها الكبير والصغير وتتناقلها وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ووسائل التواصل الاجتماعي بمختلف قنواتها. يعد فهم المصطلحات الطبية ذات الصلة أمرا حيويا في جميع الأوقات ولكن بشكل خاص أثناء الأزمات الصحية العالمية، حيث يكون الامتثال لتدابير الاحتواء والاستجابة أمراً بالغ الأهمية لحماية الأفراد والمجتمع ككل. ومن هنا يأتي الدور الرئيسي للمترجم في ضمان وصول المعلومات الصحيحة والارشادات الطبية عن (كوفيد-19)، التي تسهم في إنقاذ الأرواح وتجنب الإصابة بالمرض، إلى جميع القاطنين في البلاد مهما اختلفت ألسنتهم. وذكر الأستاذ بلقاسم صوفي في مقال له عن إسهامات الترجمة في مواجهة جائحة كورونا أن دور الترجمة يبرز من خلال توفير قائمة مصطلحات بلغات مختلفة تتعلق (بكوفيد-19)، مثل الذي يقدمه موقعEriksonTranslations ، حيث يشتمل على 13 لغة بما في ذلك اللغة العربية. ونذكر كذلك مبادرة أخرى باسم (مترجمون بلا حدود) والتي أطلقت برنامج باسم (COVID 19 Community Translation Program) يسمح بولوج المؤسسات المجتمعية التي تواجه (كوفيد-19) بإمكانية وصولها الى منصتها للترجمة والمترجمين، وهذا ما يسمح بالتواصل مباشرة مع مجتمع (مترجمون بلا حدود) الذي يضم أكثر من 30 ألف مترجم الكثير منهم يتبرع بوقته من أجل مساعدة الأشخاص في الوصول الى معلومات حول (كوفيد-19) بلغتهم. وأضاف: (وبفضل هذه الجهود المحصَّلة أصبح العامّة يفهمون مصطلحات علميّة أو تقنية، ويدركون بشكل جيّد كيف يهاجم الفيروس، وما هي أعراضه؟ إضافة الى ذلك سبل الوقاية منه، وهذه معرفة متخصصة ما كان لكثير من الأفراد أن يدركوها لولا الترجمة، فالوباء الجماعي تطلب لسانا ترجميّا هو بمثابة اللّغة الجماعية المنقذة للبشرية).
ومن هنا نجد أن المترجم يسهم في (زيادة الوعي العام وتعزيز الإجراءات الوقائية ويسهل عملية التواصل بين مقدمي الرعاية الصحية والمرضى)، وذلك من خلال ترجمة النشرات والارشادات المتعلقة بـ "كوفيد-"19 إلى مختلف اللغات واللهجات للقاطنين في البلاد. وكذلك تقديم خدمات الترجمة الفورية، لا سيما في الاجتماعات الطارئة أو المؤتمرات الصحفية التي تعقدها اللجنة المعنية بإدارة الأزمات، فحق للمترجمين أن يفخروا بدورهم التوعوي وإسهاماتهم الإنسانية.

خبير ترجمة