د. رجب بن علي العويسي:
يطرح إشهار مؤسسة عهد لدعم المرأة وذوي الإعاقة وأصحاب الدخل المحدود، لمؤسستها السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية حرم مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظهما الله ـ استنادا إلى قانون الجمعيات الأهلية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (14/2000)، بالقرار الوزاري رقم (106/2021)، والأهداف التي جاءت لتحقيقها المتمثلة في: تعزيز قِيَم المواطنة والهُوية والتراث والثقافة الوطنية؛ ودعم مبادرات التمكين المجتمعي ذات العلاقة بالمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة والدخل المحدود، وتقديم ودعم مبادرات وخدمات الرعاية الاجتماعية للأسر والأفراد، ودعم الجمعيات الأهلية المهتمة بتقديم خدمات التأهيل والرعاية الاجتماعية للأسرة، بالإضافة إلى دعم العمل المجتمعي والإنساني لخدمة المسنين والأيتام، يطرح الكثير من التفاؤلية والطموح ويستشرف توجُّهات قادمة في مؤسسات المجتمع المدني بما يمكن أن تقدمه هذه المؤسسة الواعدة من نموذج ريادي قادم، وتصنعه من فرص نجاح مبهرة على صعيد العمل الاجتماعي الإنساني المؤطر، والنهوض به وتوفير مظلة الدعم التي تحفظ توازنه واستقراره وتعايشه مع الظروف والمتغيرات، ودورها في تنشيط دور الجمعيات الأهلية القائمة والعاملة في هذه المجالات المشمولة برعاية المؤسسة.
وبالتالي التحوُّلات المرتقبة في منظومة العمل الاجتماعي، وتعزيزه بالتشريعات والقوانين والاستراتيجيات التي تضمن لها مسارات القوة والاستدامة، بما تفتحه من فرص قادمة، وتؤسِّسه من توجُّهات نبيلة، وتبرزه من محطات عطاء متجددة، وبما ينعكس على سياسات الجمعيات الأهلية ونظام عملها وآلياته وبرامجه ومصادر الدعم المالي لها، والتي ستقدم للمؤسسة صورة حول الواقع الوطني وما يتطلبه نجاح هذه الجمعيات من مقوِّمات ومرتكزات للأخذ بها، وبالتالي ما يتيحه هذا الأمر من فرص التواصل والشراكة بين هذه الجمعيات، الأمر الذي سيصنع من حضور السيدة الجليلة ووقوفها على واقع عمل المؤسسة ومتابعتها لآليات العمل والبرامج والمشروعات المنفذة، من فرص أكبر لقراءة منظومة العمل الاجتماعي عامة وعمل الجمعيات الأهلية ذات العلاقة بشكل خاص، هذا الأمر يأتي في ظل معطيات جديدة وظروف اقتصادية صعبة ارتبطت بجائحة كورونا ( كوفيد19) وتأثيرات الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة في سبيل تعزيز الاستدامة الاقتصادية والتوازن المالي، وتداعيات الواقع الاقتصادي العالمي وما ارتبط بذلك من دعوات إلى تعزيز العمل الاجتماعي، وتقوية دور المؤسسات الخيرية في رسم ملامح السلوك المجتمعي القادم، وتقوية التكامل والترابط في مواجهة التحديات الاقتصادية ومساعدة الأفراد والأسر في تحمل تبعات هذه الظروف.
ومع الأهداف العظمى التي وضعتها المؤسسة كإطار لعملها في مجالات المرأة والأشخاص ذوي الإعاقة وأصحاب الدخل المحدود وصولا إلى خدمة المسنين والأيتام، يكبر الطموح المجتمعي في أن تصبح مؤسسة عهد نموذجا وطنيا رائدا في العمل الاجتماعي والإنساني في السلطنة، ومحطة تحوُّل تصنع مسارات القوة لهذه المنظومة التي تواجه الكثير من التحديات الهيكلية والتنظيمية والإدارية والتشريعات، ومجالات الدعم والتسويق والإعلام، ومستوى الصلاحيات الممنوحة لها والمفاهيم المغلوطة لدى المجتمع حول العمل الخيري والاجتماعي التطوعي والقناعات حول منظومة الوقف، فمن جهة أعطى جواز استثمار رأس مال المؤسسة النقدي في أي عمل يدر ربحا مجزيا للمؤسسة مساحة أمان للتثمير في هذا المبلغ بما يحقق للمؤسسة فرصا استثمارية أكبر ويتيح لها مداخل اقتصادية متعددة تعزز من قدرتها على التعامل مع حجم أعداد الفئات المشمولة بالمؤسسة، كما أن التوسع المستقبلي للمؤسسة، لتشمل محافظات السلطنة، يؤسس لمرحلة متقدمة في تعزيز دور المحافظات في العمل الاجتماعي الريادي والاستفادة من الفرص الاستثمارية بالمحافظات في دعم قطاع الجمعيات الأهلية وتعزيز روح التنافسية والمهنية من خلال تنشيط حركة التطوع والمبادرات المجتمعية ودور رجال الأعمال والشركات وأصحاب الأيادي البيضاء، وغيرهم من المواطنين كل في مجال اختصاصه في المساهمة في الارتقاء بدور الجمعيات الأهلية، بما يعني أن وجود مؤسسة عهد سوف يؤسس لمرحلة متقدمة من الاستشعار المجتمعي لهذا الأمر في ظل ما يتوقع أن يصاحب تشكيل مجلس إدارة المؤسسة وهياكل عملها واختصاصاتها من برامج توعوية وتثقيفية وإرشادية وإعلامية لتعزيز اهتمام المجتمع بهذا القطاع الذي ما زال ينمو ببطء، ويمارس دوره بخجل، ويعيش تحت رحمة الدعم الحكومي في ظل زيادة التكاليف التشغيلية والمتطلبات المالية حتى تؤدي هذه الجمعيات دورها بكفاءة ومهنية.
وعليه يبقى الطموح المجتمعي فيما يمكن أن تقدمه مؤسسة عهد من دور ريادي قادم في تغيير خريطة العمل الاجتماعي ورسم ملامحه القادمة، مرهونا بالسياسات والموجِّهات والأطر والاستراتيجيات التي تضعها في تحقيق أهدافها، وتصنع منها نموذجا وطنيا يعيد إنتاج هذه المنظومة برمتها، وبالتالي مساحة العمل المبتكر والنهج المنظم، واختيار الكفاءات القادرة على إدارة هذه المؤسسة، والمبادرات الاستثنائية التي تصنعها وتضمن تفاعل المجتمع وتكاتفه معها في ظل ظروف وطبيعة كل فئة من الفئات المشمولة بنطاق المؤسسة المجالي، وإنتاج سياسات عمل أكثر نضجا وابتكارية، سواء عبر وجود قواعد بيانات محدثة تعتمد عليها في حصر هذه الفئات، أو من خلال تعيين المخلصين وممن يجد فيهم المجتمع القبول وصدق الإنجاز وروح المبادرة والحس الوطني المسؤول وممن يحظون بتقدير المجتمع واحترامه ممن عايشوا العمل الخيري، وأثبتوا حضورهم فيه، وأن تضع في مسؤوليتها إدماج هذه الفئات في المجتمع، وتمكينها من الاعتماد على النفس، وعبر إعادة تأهيلها وتدريبها لامتلاك المهارات اللازمة، التي تتيح لها فرصا أكبر للانخراط في سوق العمل، أو فتح مشروعات منتجة لها تعزز من إمكاناتها وقدراتها في الاعتماد على النفس، وبما يسهم في إخراجها من مظلة الإعانة المادية المتكررة والمباشرة التي تقدمها لها المؤسسة أو غيرها من الجمعيات الأهلية الأخرى.
من هنا فإن نهج التكامل الذي تنتهجه مؤسسة عهد، سوف يصنع التوازنات في هذا القطاع، ويحد من تنازع الاختصاصات مع الجمعيات القائمة في هذا الشأن وبشكل خاص تلك المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة، فتتخذ منهج العمل المؤطر الذي يستشعر فيه الجميع الروح الوطنية العالية التي جاءت رسالة المؤسسة لتحقيقها، لذلك لن يكون هناك أي مساحة للتداخل والازدواجية والتقاطع مع الجهود القائمة، كما لن يكون هناك أي مسار للفردانية والسلطوية في هذا الشأن، لتعمل مؤسسة عهد جنبا إلى جنب مع الجهود الأهلية القائمة، وتؤدي رسالتها الإنسانية بكل مهنية وريادية واتقان، بل ستكون بيت خبرة وطنية ونموذجا تستفيد منه الجمعيات الأخرى، سواء فيما يتعلق منها بمجال الأشخاص ذوي الإعاقة في ظل وجود جمعيات أخرى لها تقوم بهذه المهمة، مثل: جمعية التدخل المبكر للأطفال ذوي الإعاقة للفئة العمرية (من الولادة إلى 7 سنوات) وجمعية رعاية الأطفال ذوي الإعاقة (من سن 5 سنوات إلى 14 سنة)، لتعمل مع هذه الجمعيات على احتواء الطلبة ذوي الإعاقة في المراحل العمرية المتقدمة، وتبني أدوات تشخيص ذوي الإعاقة الحركية أو الذهنية أو السمعية أو غيرها، أو كذلك في مجال المرأة بما تفتحه من أبواب ومداخل لتقوية فرص الدعم المقدمة للجمعيات الأهلية المعنية بالمرأة لأداء دورها وتحقيق مسؤولياتها، واستشعار المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التشخيص والرصد والمتابعة لها، خصوصا في الجوانب المتعلقة بالمرأة والأسر محدودة الدخل، والتي تقع ضمن منظومة الضمان الاجتماعي لتؤدي المؤسسة دورا محوريا في إعادة هيكلة واقع العمل في هذا المجال وعبر تأهيل وتدريب ومساعدة هذه الفئات للخروج من مظلة الضمان الاجتماعي لتقوم على رعاية وإدارة مشروعات اقتصادية مستديمة منتجة، وسيعمل على تنشيط حركة التنافسية والإنتاجية في عمل الجمعيات الأهلية، وإعادة هيكلة وتفعيل دور جمعيات المرأة العمانية بالولايات في القيام بمسؤولياتها نحو المرأة.
أخيرا، يبقى تحقيق هذه الطموحات والوصول إلى الآمال العريضة في أن تكون مؤسسة عهد نموذجا رياديا مبتكرا في العمل الاجتماعي، وتأصيل ثقافة العمل الإنساني، وبناء وتعزيز فقه التطوع، مرهونا بقدرتها على استيعاب الظروف التي يمر بها المواطن والفئات المشمولة بأهداف المؤسسة وغاياتها، ويقف على واقع التحديات التي تواجه منظومة العمل الخيري بالسلطنة عامة وتوجُّهات جمعيات ذوي الأشخاص ذوي العلاقة أو الجمعيات التخصصية المختلفة كالمسنين وكبار السن وغيرهم، مستفيدة من أفضل الممارسات الدولية والإقليمية في العمل الاجتماعي والإنساني، وأن تفتح المجال لرسم ملامح التحول القادم في هندسة عملها وآلياتها والفئات المشمولة بها ونُظم التقويم والمتابعة وممارسة الأدوار، كما تفتح المجال للمزيد من التشريعات والقوانين والتوجُّهات الضبطية التي تحمي العمل الاجتماعي وتعزز من حضوره وتحمي القائمين عليه، وتؤسس مساحة القوة فيه، واتساع ممارسته في مختلف المحافظات، وتقديم صورة إيجابية مشرقة في الدعم المستمر لهذه الجمعيات، وتأسيس الصناديق الوقفية الخيرية التي تضمن حضور العمل الاجتماعي كخيار من المجتمع وإليه يصنعه المخلصون في مواجهة الظروف الصعبة والمتغيرات الاقتصادية التي باتت تفرض على المجتمع واقعا جديدا، وعندها يصبح العمل الاجتماعي مددا يحتوي الإنسان، ويؤسس فيه روح الإيثار والعطاء المتجدد، وينتزع منه ران الأثرة والأنانية، بركة في العمر، وزيادة في الرزق، ونهضة للأخلاق، تصنع في أبناء عُمان التكافل والتضامن والتعاون ووحدة الهدف والمصير، لحياة ملؤها الإنسانية والحب والتصالح والسلام "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" حفظ الله السيدة الجليلة ومتَّعها بالصحة والعافية، وأجزل لها الأجر والثواب.