من منظور إيجابي، فإن هذه الفئة لا تخدم نفسها فقط، وإنما هي ملجأ للأسر الفقيرة؛ كون أن الباعة المتجولين يقدمون سلعا أرخص من الأماكن الأخرى بسبب عدم التزامهم بالإيجارات ومصاريف أخرى. إلا أن النظرة السائدة نحو هذه الفئة هي غالبا نظرة سوداوية ـ حتى ولو كان هؤلاء الباعة (أطفالًا ونساء).

بعد أن عصفت جائحة كورونا بالعالم، أصبحت ظاهرة البيع على الشوارع أو ما يسمَّى بـ(اقتصاد البسطاء) أو(الاقتصاد الخفي) ظاهرة شائعة، وأصبحت ملاذ الكثيرين من فئات المجتمع، من باحثين عن عمل، ومسرَّحين من أعمالهم أولئك المتقاعدين الذين أكهلتهم الديون البنكية، كون أن مهنة البيع العشوائي في الغالب لا تحتاج إلى مهارات محددة أو مهارات معقدة، ولا إلى رأسمال يُذكر.
وفي السنتين الأخيرتين، ومنذ أن تفشَّى الوباء، تضاعفت أعداد هؤلاء الباعة بشكل كبير، وأصبحوا يتواجدون في أماكن كثيرة على شوارع المدن الداخلية لتردي الأوضاع الاقتصادية للدول الغنية أو الفقيرة على حدٍّ سواء، والذي نتج عنه فقدان الكثيرين لأعمالهم وأصبحوا بين عشية وضحاها بلا مصدر رزق. وقد أدَّت الحاجة لبعض الأسر إلى تسخير حتى الأطفال لممارسة هذه المهنة. فقد تحدث التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية مؤخرا عن وجود مليون و400 ألف طفل حصيلة الملتحقين بسوق العمل، منهم فئة كبيرة يعملون بالأسواق العشوائية والبيع على الشوارع.
وعن وضع الباعة الجائلين في السلطنة، أوضحت الإحصاءات الصادرة من وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار عن ارتفاع ملحوظ في عدد أنشطة الباعة المتجولين التي تم تسجيلها خلال عام 2020، والتي بلغت 177 نشاطًا، مقارنة بـ(147) نشاطًا تم تسجيلها خلال العام 2019، مرتفعة بنسبة 20.40%. وقد أصدرت بلدية مسقط سابقا قرارات عديدة لتنظيم مثل هذه المهن، منها قرار بتعديل أحكام لوائح الاشتراطات الصحية الخاصة بالأنشطة ذات الصلة بالصحة العامة، حيث يتضمن القرار رقم: (185/2017) إضافة بند بلائحة الاشتراطات الصحية الخاصة بممارسة (نشاط مقهى متنقل) والتي اشتملت على 4 مواد رئيسية، أوضحت اشتراطات الموقع والمركبة المقام عليها نشاط المقهى المتنقل، واشتراطات المرخَّص له بمزاولة النشاط والأغذية المصرح ببيعها. وقد حدد قرار وزارة التجارة والصناعة (سابقًا) 14 نشاطًا مختلفًا يمكن للباعة المتجولين ممارستها، إلا أنه من الملاحظ أن عملية البيع على الشوارع ينقصها التنظيم، فالمهنة تؤدى بطريقة عشوائية وغير منظمة وغير صحية، فهناك من يبيع ماء الشرب تحت أشعة الشمس ومن يبيع الأسماك بدون تبريد وتحت الحرارة، وآخرون يعرضون الفواكه والخضراوات وهي كذلك لأشعة الشمس المباشرة، ناهيك عن ما يتعرض له هؤلاء الباعة من متاعب لوقوفهم تحت أشعة الشمس لفترات طويلة. هذا كله سيكون له انعكاس سلبي كبير من الناحية الصحية للبائعين والمشترين على حد سواء.
فالمشتري حتى لو ناداه الجانب الإنساني لمساندة هؤلاء الباعة، إلا أن طريقة العرض غير الصحية للمواد، وخصوصا عرض المواد الغذائية يقلل من نسبة اقتناء البضاعة المعروضة على الشوارع تحت الظروف غير المناسبة؛ وبالتالي تكون فرصة تحقيق أرباح لدى بائعي هذه البضائع قليلة.
وللتقرب من هؤلاء الباعة نجدهم أشخاصا لم يتمكنوا من الحصول على وظائف عادية دائمة، أو أنهم سُرِّحوا من أعمالهم أو أنهم فئة متقاعدة ويحاولون حل مشاكلهم من خلال مواردهم الضئيلة. وهذه الفئات تحاول أن تعيش حياتها بكرامة واحترام لذاتها من خلال العمل الجاد، مبتعدة عن السرقة أو التسول أو الابتزاز.
ومن منظور إيجابي، فإن هذه الفئة لا تخدم نفسها فقط، وإنما هي ملجأ للأسر الفقيرة؛ كون أن الباعة المتجولين يقدمون سلعا أرخص من الأماكن الأخرى بسبب عدم التزامهم بالإيجارات ومصاريف أخرى. إلا أن النظرة السائدة نحو هذه الفئة هي غالبا نظرة سوداوية ـ حتى ولو كان هؤلاء الباعة (أطفالًا ونساء). فالعامة ومخططو المدن بشكل خاص ينظرون إلى باعة الشوارع دائما على أنهم معوق من معوقات النمو المخطط للمدن. كذلك في مدن كثيرة، يتعرض هؤلاء الباعة بشكل مستمر لتعذيب عقلي وبدني من قبل السلطات المحلية، كما أنهم يتعرضون لأشكال أخرى من المضايقات تؤدي أحيانًا إلى حالة من الفوضى، وضياع ممتلكاتهم وأموالهم، وفي أماكن أخرى ما زالت بعض الحكومات تعتمد في علاج هذه الظاهرة على القرارات المتعجلة والمواجهة الأمنية والعقاب، وهذه الطرق أثبتت عدم نجاعتها. فالباعة الجائلون في انتشار وأعدادهم تزيد بشكل ملحوظ. ولهذه الأسباب، بدأت تظهر بعض الجهود الدولية المساندة للباعة المتجولين؛ لغرض توفير بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا لهم.
وجاءت أول محاولة دولية لتنظيم العمل المتجول في عام 1995، عندما التقى في مدينة بيلاجيو بإيطاليا مندوبون عن جمعيات ومنظمات ونشطاء من الباعة الجائلين, ومحامون وباحثون يعملون مع الباعة الجائلين من 11 مدينة حول العالم لتشكيل تحالف دولي يسمَّى الآن “شبكة تجار الشوارع”. وتم خلال هذا الاجتماع إصدار وثيقة دولية تعرف بـ(إعلان بيلاجيو).
وقد طالب تحالف بيلاجيو الحكومات بتبني سياسات تعنى بالباعة في الشوارع بجعلهم جزءًا من سياسات أوسع تستهدف تحسين مستويات معيشتهم عن الطريق إعطائهم وضعًا قانونيًّا بضمان التراخيص لهم، وتفعيل القوانين، وتوفير مواقع مناسبة يقومون بالتجول للبيع فيها في إطار تخطيط المدن، وإضفاء السند القانوني لاستخدام المساحات المناسبة والمتاحة في المدن، كذلك طالب تحالف بيلاجيو حماية الأوضاع المعيشية للباعة بتوفير التأمين الاجتماعي والصحي. وتوفير الدعم الإغاثي لباعة الشوارع في حالات الكوارث والنكبات الطبيعية. لم تتوقف الجهود الدولية عند إعلان بيلاجيو، فقد ظهر “التحالف الدولي للباعة الجائلين” والذي بدأ في ديربان بجنوب إفريقيا في نوفمبر 2002. ويهدف هذا التحالف إلى تشجيع تبادل المعلومات والأفكار بشأن القضايا الحاسمة التي تواجه الباعة الجائلين. وطرح هذا التحالف أفكارا جديدة لتنظيم وتعزيز الجهود المبذولة في الحملات الدولية لتعزيز السياسات والإجراءات التي يمكن أن تسهم في تحسين حياة الملايين من الباعة الجائلين بالأسواق في جميع أنحاء العالم. ونتاجا لهذه الجهود الدولية، أبدت بعض الدول شيئا من الاهتمام بباعة الشوارع، فقامت بتوفير بيئة آمنة لهم لعرض منتجاتهم تحت ظروف صحية مهيأة من خلال مبادرات أكثر مهنية وتنظيما.
ومن هذه الدول التي اهتمت بظاهرة الباعة الجائلين إندونيسيا، وتحديدا مدينة “سولو” والتي باتت إحدى التجارب الناجحة بكل المقاييس في التعامل مع هذه الظاهرة، وسارعت حكومات عديدة في تطبيق هذه التجربة، وتطرق إليها كثير من الأدبيات للتعرف إلى أسباب نجاحها. ويعـزى نجـاح تجربة مدينة سولو إلى اعتمـاد نهج جديد يقوم على مبدأ الحوار والتفاوض. وبهذه المنهجية نجح “الأب الروحي لمبادرة سولو”، العمدة الجديد للمدينة والمنتخب عام 2005 ويدعى “جوكو ويدودو” ـ الذي أصبح لاحقا رئيسا لحكومة إندونيسيا ـ في نقل أكثر من ٦٠% من إجمالي عدد الباعة الجائلين في المدينة دون أن يلجأ لاستخدام القوة التي هي السلاح المعتاد للتعامل مع هؤلاء الباعة.
وكان الهدف الأساسي لجوكو ويدودو عندما أصبح عمدة لمدينة سولو هو تشجيع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل للسكان، وأدرك أنه لتحقيق هذا الهدف لا بُدَّ أولا حل مشكلة الازدياد المطرد في أعداد الباعة الجائلين في المدينة، الذي خلَّفته مشكلة البطالة وندرة فرص العمل، مُدرِكًا أن البيع في الشوارع يُعد مصدرا أساسيا لكثير من الأسر، وهو جزء لا يتجزأ من اقتصاد المدينة، والتعامل العنيف مع هؤلاء الباعة سوف يؤثر على دخل أسرهم، وسوف يزداد مستوى الفقر. وعندما علم الباعة الجائلون بخطة جوكو، طلعوا في الشوارع حاملين لافتات كتب عليها “النضال حتى آخر حياتنا. نحن نفضل الموت على الانتقال”. إلا أنهم لاحقا تعاطفوا مع العمدة بعد أن وضحت لهم النية الصادقة التي أولاها لهم، متمثلة في عقد 104 اجتماعات خلال ستة أشهر مع الباعة الجائلين، تبنى خلالها مبدأ الاستماع والنظر فيما يقترحه ويراه هؤلاء الباعة مناسبا لهم وللمدينة بشكل عام. وقد نتجت هذه الحوارات إلى تعهدات قدمها العمدة للباعة الجائلين، أهمها بناء أكشاك مناسبة لهم مع توفير وسائل النقل العام إلى المواقع الجديدة، وتعهد أيضا على دعمهم إعلاميا عن الطريق الترويج لهم من خلال حملة تسويقية، وتم الاتفاق على تقديم تراخيص مجانية وعربات ومضلات وخيام، وفوق كل ذلك تعهد العمدة بتأهيل هؤلاء الباعة عن طريق دورات تدريبية حول التعامل الآمن مع الغذاء. كذلك تم الاتفاق على وضع برنامج لتقديم القروض بأقساط في متناول البائعين لمساعدتهم على الانتقال، يوازيه إعفاء ضريبي لمدة ستة أشهر الأولى من الانتقال.
وخلال أقل من سنتين كان المكان الجديد قد اكتملت تهيئته وتم نقل أغلبية الباعة. وحقق جوكو هدفــين متكاملــين علــى المســتوى العمرانــي والاقتصـادي بحيـث اسـترجعت الفضـاء العمومـي، وأعـادت لـه رونقـه ونظافتـه وتم توفير المساحات الكبيرة داخل المدينة، وعلى ضوئه أنشئت الحدائق والمتنزهات، ورفعت كفاءة المشاريع القائمة مـن جهـة، وحقق بعض الباعة الجائلين (على سبيل المثال الذين يبيعون زينة السيارات) زيادة في إيراداتهم وصلت إلى 200% إلى 400% من جهة أخرى.
ومرَّت تجربة مدينة “سولو” في تنظيم الباعة الجائلين في المدينة بنقل الباعة الجائلين من الأماكن السياحية والمهمة في المدينة إلى أماكن محددة وأسواق خاصة لممارسة هذه المهنة على أربعة مراحل وهي: المرحة الأولى الإعـداد والدراسـة: وكلفت بها الجامعـة المحليـة بالمدينة بإعـداد الدراسات اللازمة للتعرف علـى نوعيـة النشـاطات الممارسـة ومؤهـلات الباعـة المتجولـين، والمرحلـة الثانية التواصـل وجس النبض: قامـت الهيئات غيـر الحكوميـة ومنظمـات المجتمـع المدنـي بدعـم المشـروع وتسـهيل التواصـل والتفـاوض مـع الباعـة المتجولـين، وتيسـير انخراطهـم في إنجـاح مشـروع الإدمـاج، وعرضت المدينـة أماكـن ومقـرات وتجهيـزات ورخـص تجـارة مجانيـة. المرحلة الثالثة الإعـداد والبنـاء: قامــت المدينــة بإنجــاز ســوق تجــاري بتصميــم مــن الجامعــة علــى مســاحة 11950 مترا مربعــا لإيــواء 1018 محــلا تجاريــا بكلفــة تعــادل 900 ألــف دولار أميركــي. المرحلة الرابعة التوجيه والتدريب: بالمــوازاة مــع مرحلة الإعداد والبناء، خضـع الباعـة المتجولـون لتكويـن مهنـي وتدريب مكثف على الصحة وسلامة الغذاء، واسـتفادوا مـن توفيـر الدعـم التقنـي والتسـويقي لاسـتقطاب الزبائن. المرحلة الخامسة التحـول والانتقـال: أعــدت مراســيم الانتقــال للمــكان الجديــد لأكثــر مــن 900 بائــع متجــول في موكــب رســمي حســب التقاليــد المحليــة بحضــور الســلطات وممثلــي البرلمــان. المرحلة الأخيرة الاستقرار: لتحقيـق اسـتمرارية المشـروع والتثبيـت في السـوق الجديـد، تحولـت جمعيـة الباعـة المتجولـين لتعاونيـة مهنيـة قامـت بإعـداد وتنظيـم تكوينـات تقنيـة.
من الدول الأخرى التي نجحت في تنظيم وإدارة مهنة الباعة الجائلين السنغال، فمن خلال مبادرات فاعلة استطاعت الحكومة تحويل هؤلاء الباعة من عبء على الحكومة إلى قطاع مولد لفرص التوظيف وملاذ مهم للعوائل الفقيرة لاقتناء احتياجاتها اليومية. وتتلخص تجربة السنغال في إنشاء وكالة خاصة في عام 2011 تسمَّى “الوكالـة الوطنيـة لتوطـين الباعـة المتجولــين” عام 2011. وبعد ذلك بعامين تم نشاء “الوكالة الوطنية لدعم الباعة المتجولين”، وقــد بلــورت هذه الوكالــة اسـتراتيجية 2013/2015 هـدفت إلى دعـم الباعـة المتجولـين بالسنغال، وتحديـد صفـة البائـع المتجـول، وإجـراء إحصـاء لمعرفـة هُويـة وتنظيـم جمعيـات الباعـة المتجولـين، لتتمكـن الوكالـة في النهايـة مـن إصـدار بطاقـة مهنيـة للبائـع المتجـول. وتم في السنغال دمج ما يسمَّى بـ”اقتصاد البسطاء” في الاقتصـاد الوطنـي مـن خـلال توفيـر البنيـات التحتيـة والمحـلات التجاريـة لاسـتقبال هـذه الفئة. وقامت الوكالـة الوطنية لدعم الباعة المتجولين بالتعــاون مــع وكالــة التطويــر والتأطيــر للمقــاولات الصغــرى والمتوســطة ومعهــد التكنولوجيــا الغذائيــة ووكالــة تقنـين الأسـواق بمسـاعدة الباعـة المتجولـين لإنشـاء مؤسسـات صغـرى باسـتثمار يعـادل 850 دولارا أميركيـا. وأصبحت مهنة البيع المتجول مهنة محببة للكثيرين في السنغال، ومصدرا مهما لتوفير الوظائف، والذي بدوره خفف العبء على الحكومة في توفير وظائف للباحثين عن عمل.
وما زلنا في القارة السمراء، وهذه المرة في أوغندا، ففي العاصمة الأوغندية كيمبالا، وكما هو معلوم، تشهد القارة الإفريقية منذ عقدين معدلات نمو عالية بلغت 3.5% سنويا، ويتوقع أن يستمر هذا المعدل في النمو حتى عام 2050. وبسبب هذا المعدل في النمو السكاني، سيصبح تجارة بيع الطعام في الشوارع واحدا من أهم مصادر النظام الغذائي في القارة. وحاليا، تشير الإحصاءات إلى أن الأسر الفقيرة تنفق ما يقرب من 40% من دخلها على طعام الشوارع. من هنا جاء تدخل شركة “موسانا كارتس” بضبط وتحسين إنتاج واستهلاك الأطعمة التي تباع في الشوارع بطريقة مبتكرة، لكي تجعل من بيع الأطعمة في الشوارع صناعة مؤثرة في اقتصاد أي بلد، فقامت الشركة بتصنيع عربة البيع النظيفة التي تعمل بالطاقة الشمسية. وكمرحلة أولى، وصلت الشركة إلى عشر عربات في كيمبالا يعمل عليها 30 بائعا. وتبنت شركة “موسانا كارتس” الشعار التالي لدعم الباعة الجائلين “نستشرف مستقبلا يدير فيه الباعة الجائلون في إفريقيا أعمالا محلية بكرامة ونجاح”.
في بعض الدول الأوروبية يتم الاستفادة من أسواق الباعة الجائلين كمظهر سياحي، ففي بروكسل مثلا يتم تخصيص منطقة التمثال الشهير للطفل مانيكان بيس لبيع الأزهار، ما حوَّل هذه المنطقة إلى مزار سياحي مهم، كذلك تم تخصيص كل يوم سبت في الميدان الكبير في بروكسل للباعة الجائلين لبيع منتجاتهم دون منافسة من أطراف أخرى. وفي سوق مدينة نامور البلجيكية يقوم الباعة الجائلون ببيع منتجاتهم داخل سيارات كبيرة الحجم مجهزة لهذا الغرض وبطابع سياحي جذاب. وفي الحي اللاتيني ـ وهي منطقة متعددة الأعراق ـ بباريس قامت الحكومة الفرنسية بتخصيص طاولات ذات نورق جذاب مزودة بمظلات للباعة الجائلين لعرض منتجاتهم بطريقة منظمة وأنيقة، ما أسهم في تنشيط السياحة في هذه المنطقة، وفي نفس الوقت إيجاد سوق للمنتجات الفرنسية المحلية. كذلك في إيطاليا، قامت الحكومة بتصنيع أكشاك خاصة للباعة الجائلين وسط الأسواق الشعبية ذات سمات إبداعية من حيث الشكل واللون، وساعدت هذه المبادرة إلى لفت انتباه الزبائن لهذه الأكشاك والشراء منها.
وأما في آسيا، ففي الهند مثلا، وفي إقليم كشمير بالذات يقوم الباعة الجائلون وبدعم من الحكومة بتخصيص حركتهم التجارية في بيع الحرير وعرضه بطريقة لافتة لنظر السائح، مما نشطت تجارتهم في هذه المنطقة. أما في الصين فتقوم الحكومة بتوفير محال صغيرة في طريق السكك الحديدية في جميع الأقاليم، على أن يحمل كل بائع جائل رقما كوديا “لوحة معدنية” لتقنين أوضاعهم وتسهيل محاسبتهم.
وتتلخص أهم العبر المستخلصة من هذه التجارب الناجحة في التعامل مع الباعة الجائلين وتحويلهم من نقمة إلى نعمة على الحكومات والتي يرى أنها سوف تساعد على تنظيم تطوير مستوى الباعة الجائلين في الآتي: أولًا: البدء في عمل (إحصاء) للباعة الجائلين، للوقوف على الحقائق والأرقام المتعلقة بهؤلاء الباعة، وثانيًا: تشكيل لجنة في المحافظات برئاسة المحافظ وعضوية المؤسسات الحكومية المعنية لتحديد مواقع للباعة الجائلين. ثالثا: تقوم الجهات المعنية بالتعاون مع الكليات المهنية بتصميم برامج تدريبية للباعة المتجولين حول أمن وسلامة الغذاء والنظافة الشخصية، وأن يلزم بمن يزاول هذه المهنة باجتياز هذه البرامج التدريبية حتى يستطيع ممارسة النشاط التجاري. رابعًا: البحث عن مستثمر لإنشاء كشكات متنقلة بمواصفات صحية تنطبق على الشروط الموضوعة من بلدية مسقط في تنظيم هذه المهنة، على أن يتم تأجيرها بسعر رمزي لهؤلاء الباعة مع مساهمة الحكومة في دفع باقي قيمة الإيجار المطلوب للشركة. وخامسًا: يحدد للباعة المتجولين ساعات عمل وزي موحد (uniform) يساعد في العملية التنظيمية، على أن يكون لكل ولاية لون محدد، بحيث لا يسمح لساكن ولاية ما بالعمل في ولاية أخرى كبائع متجول.
وأخيرًا: إيجاد نظام مرن للتراخيص وشروط الحصول عليها وتجديدها والغرامات المترتبة من المخالفين. مع تحديد المميزات التي يحصل عليها البائع كحقه في التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي ورعايته اجتماعيا وثقافيا.
وختاما، يُرى أنه بات من الضروري الالتفات إلى “اقتصاد البسطاء” والعمل على إنجاح هذه المهنة في كل ربوع السلطنة عن طريق الاستعانة بتجارب الدول التي تم عرضها، وأن تتحول هذه المهنة إلى مصدر رزق ثابت للأسر الفقيرة، وأن تتحول إلى مصدر ثابت لإيجاد الوظائف.



د. يحيى بن ربيع النهدي
كاتب عماني
[email protected]