أ.د. محمد الدعمي:من بين من جمهرة الإشكالات والأسئلة التي أثارها المستشرقون والمستعربون، متواترة مع قيام الكولونياليات الأوروبية عبر القرون الماضية (الإسبانية والبرتغالية، الفرنسية والبريطانية) طغى سؤال تورخة الماضي العربي (بمعنى كتابة "تاريخ العرب"). وراحت استفهامات غاية في الأهمية من نوع: من "أين نبدأ"؟ و"أين ننتهي"؟ (من بين سواها من الاستفهامات) تؤرق المستعربين والمستشرقين على نحو محسوس في كتاباتهم حتى اليوم. وما لبثت هي أسئلة بلا إجابات وافية حتى تلاقفها المؤرخون العرب في العصر الحديث، خصوصًا بعد أن غضَّ "التقدميون" (من عيار طه حسين وعلي الوردي) منهم ما وصل إلينا من تواريخ الشيوخ (أي التواريخ التي حبَّرها مؤرخو العصر الوسيط من المسلمين)، كالبخاري والطبري وابن مخنف.ومع طوفان ما سُمي في أوروبا بــ"التاريخ الجديد"، خصوصًا مع ظهور الحركات الشوفينية والقومية العنصرية هناك، راح المفكرون العرب يحاولون إيجاد موطئ قدم لــ"الأمة العربية" بين جمهرة الأمم الأخرى من أجل إيجاد موطئ قدم للعرب، بناء على حس قومي، مبتدأ بالحركات القومية في (ألمانيا وإيطاليا، فرنسا وبريطانيا).هذه الأسئلة التي شاغلت المؤرخين العرب وأشغلتهم على نحو جاد على بدايات ما يسمى بالنهضة القومية العربية على أيدي رجال أجلاء من عيار رفاعة رافع الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي، من بين آخرين في مصر وبلاد الشام والعراق، إذ برز سؤال مهم: إذا أردنا تورخة دقيقة وحقَّة لقصة العرب، هل نبدأ من ظهور الإسلام؟ أم أن علينا أن نرتجع إلى حقبة سابقة لحقبة الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ وهي استفهامات طالما أشغلت المؤرخين الغربيين قبل المسلمين والعرب بقرون! وكما أسلفنا فإن مرد ذلك الاهتمام العربي بـ"التورخة" قد تبلور مع الحركات القومية العربية على السنين المتأخرة من تاريخ الدولة العثمانية، إذ شجع البريطانيون والفرنسيون الاهتمام بــ"تاريخ العرب"، أداة لهدم الدولة العثمانية ولمقاومة سياسة "التتريك"، ناهيك عن المعاونة على تحقيق الاستقلال للأجزاء العربية من الدولة العثمانية، اعتمادًا على ميل الشبيبة العربية (حقبة ذاك) إلى تحقيق حلم مملكة عربية موحدة مستقلة يتربع الشريف حسين على عرشها باعتبارها مملكة (لا غربية ولا شرقية).من زاوية أولى، ذهب العديد من المؤرخين (أوروبيين وعرب) إلى أن القبائل العربية لا يمكن أن تشكل وحدة قومية يمكن اعتمادها لمباشرة تاريخ قومي يخص العرب، بغض النظر عن الدويلات العربية التي تأسست في الحيرة (مملكة المناذرة)، وتلك التي تأسست في بلاد الشام (مملكة الغساسنة)، بدعوى أن القبائل العربية بقيت لا تلتوي حتى جاء محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلوها تحت مظلة الإسلام الحنيف.ومن منظور آخر، ذهب البعض من المؤرخين (ومنهم المتدينون) إلى أن التاريخ العربي لم ينطلق عمليًّا إلا مع ظهور الرسالة الإسلامية (على أيدي الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، إذ بقيت العرب قبلئذ قبائل متناحرة بلا هُوية قومية يعتد بها، تقاتل بعضها البعض لعقود من سفك الدماء ومن سيادة قِيَم الثأر والانتقام، من بين قِيَم أخرى، كما حدث على سنوات "حرب البسوس" الطوال. وقد جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) بدين حنيف ليضع حدًّا للعصبية القبلية، وذلك بفرض ولاء من نوع جديد، وهو الولاء للإسلام، دينًا ونظامًا اجتماعيًّا، الإسلام الذي أزال ما سبق من معطيات الانقسام والتشتت والتفتت القبلي، ذلك أن الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) قد أسَّس دولة في المدينة المنورة تجمع العرب جميعًا بحسب معايير مواطنة من نوع جديد.ولم يزل هناك من يرفض قطع ما سبق الإسلام من تاريخ، ذاهبًا إلى أن للعرب تاريخًا وحضارة معتبرة قبل ظهور الإسلام، وهي حضارة لا يمكن تجاهلها من قبل أي مؤرخ منصف يرتقي بنفسه فوق الميول والاتجاهات!