نجوى عبداللطيف جناحي:
من منا لا يطرق جميع الأبواب لينال الأجر والثواب في شهر رمضان المبارك؟ فيقضي المسلم الساعات الطويلة في هذا الشهر الفضيل في جلسات يخصصها للعبادة من صلاة وابتهال وقراءة قرآن واعتكاف في المسجد، وتأمل في خلق الله، ويعيد حساباته مع نفسه، فيسمو بها وتصفو القلوب. ففي رمضان نحيي قلوبنا بالروحانيات فتكون هي زادنا طول العام، في هذا الشهر الفضيل نطرق كل أبواب التقرب إلى الله، من صدقات، وفعل الخيرات، إلا أن هناك بابا واسعا للأجر والثواب لا يتطلب منا جهدا ولا مالا، لكن يتطلب سعة صدر وصبر، فما أجمل أن نتقرب لله بالتسامح في تعاملنا مع الناس، فلا نغضب، ونعذر، ونتجاوز ونعفو ولا نحقد ولا نحسد، فإن فعلنا نلنا ما يناله المتصدقون في السرَّاء والضرَّاء واحتسبنا الله من المتقين.
فتقرب إلى الله بالتسامح مع زوجتك، فلا تغضب من تقصيرها، واصفح ولا ترفع صوتك في وجهها، ولا تخاصمها، ولا تلومها ولا تُهِنْها، بل كن ليِّن الجانب، وأعِنْها على أداء مسؤوليتها، فرسول الله صلى الله عليه يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
وتقرب إلى الله بالتسامح مع أبنائك فتجاوز عن أخطائهم، وارحم صغر سنهم وضعفهم، وقلة صبرهم، وتذكر أنك أنت ملاذهم، فكن أبا حنونا لهم. وقوِّم سلوكهم بالنصح وليس بالضرب والعنف، فكن ليِّنا، فلا تصرخ في وجه الأطفال؛ لأنهم أقلقوا منامك، أو نسوا المصباح مفتوحا، فكن سمحا مرحا وكن خير جليس لهم.
وتقرب إلى الله بالتسامح مع باقي السائقين في الشارع، فكن سائقا سمحا، فلا تصرخ وتغضب من أخطاء باقي السائقين، وتذكر أنك بصراخك تزعج من هو بجانبك ثم لا يسمعك السائق في الشارع، فلا جدوى من هذا الصراخ والغضب. فكن سمحا واسمح لهم بالمرور وتجاوز عن أخطائهم، واعذرهم فقد يكون منهم المستعجل لقضاء أمر ما، وقد يكون منهم من يعاني من الآلام وهو يسوق فيخطئ وينسى، واستمتع بالطريق بدلا من أن تنشغل بمراقبة أخطاء باقي السائقين.
تقرب إلى الله بالتسامح مع البائعين، فلا تجادل البائع لأجل مبلغ زهيد، واحتسب هذا الفرق صدقة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى)، فتقرب إلى الله بالسماحة. فتلك المبالغ الزهيدة لن تؤثر على ميزانيتك لكنها ستسعد ذلك البائع المسكين.
تقرب إلى الله بالتسامح مع الناس، فلا تبالغ في ردود أفعالك تجاه تصرفاتهم، وتجاهل الأخطاء وتغابى عن الزلات، فالذكي من يحسن فن التغابي، فمن يكن راصدا لأخطاء الآخرين يكن منبوذا غير مرغوبا. وتذكر كم يتجاوز الناس عن أخطائك، والتمس العذر لأخطاء الآخرين، فأنت لا تدري ما تعج به نفوسهم، فلو كنت مكانهم لتصرفت مثلهم. واعْفُ وتجاوز؛ فمن عفا وأصلح فأجره على الله، فلك أن تتخيل كم من الأجر ستنال إن كان الأجر متروكا لتقدير الكريم الرحيم، فتقرب إلى الله بالعفو والتسامح، ولله در الشافعي حينما قال:
لما عفوت ولم أحقد على أحد
أرحت نفسي من هم العداوات
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
ودافع ولكن بالتي هي أحسن
وتذكر أن الله قرن بين المتصدقين في السرَّاء والضرَّاء وبين المتسامحين، فتأمل قوله تعالى في سورة آل عمران: ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السرَّاء والضرَّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). فتلك الجنة التي نتوق لها ونرجو الفوز بها، والتي عرضها كعرض السماوات والأرض، ننالها إن اتقينا الله تعالى، وقد وضح الله لنا كيف نكون من المتقين، فعلينا بالصدقة في السرَّاء والضرَّاء وبالتسامح مع الناس فنحلم عليهم، ونعفو عن من أساء إلينا ونتقبل أخطاءهم ولا ننتقم ممن أساء لهم، وخص المحسنين بمنزلة أعلى وهي حب الله تعالى، فالمحسن هو من يراقب الله في جميع أعماله وفي جميع عباداته ليكون الإخلاص في العمل والعبادة سلوكا يلازمه. فتقرب إلى الله بالتسامح مع الناس ولين الجانب تغنم رضاه، وتذكر أن الله يعطي على اللين وما لا يعطي على القوة... ودمتم أبناء قومي سالمين.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected]
@Najwa.janahi