جودة مرسي:
اتخذت العديد من الدول، ومنها السلطنة، في شهر رمضان المبارك حملة توعية خاصة بالمباعدة بين التجمعات، وفضلت الإغلاق في فترة يكثر فيها الزحام بين الناس، مع التحذير من التهاون في هذه التعليمات التي يؤدي عدم الالتزام بها إلى سرعة انتشار الوباء، فيما يجنبنا الالتزام بها انتشار فيروس كورونا "كوفيد 19" والمحافظة على صحة المواطنين والمقيمين، فيما فضلت دول أخرى لظروف اقتصادية خاصة بها الاكتفاء ببعض الإجراءات البسيطة والتي ليس منها الإغلاق أو المباعدة بين التجمعات، وتركت لمواطنيها الأمر في المحافظة على أنفسهم من الفيروس، وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة للعدوى بين أفراد هذه الدول، خصوصا مع وجود زحام كبير بين أعداد السكان الذين يفضلون قضاء سهرات رمضانية تمتد حتى بعد الانتهاء من السحور خارج الديار.
وبما أن الصوم مدرسة تهذيبية للنفس، والتي منها ـ بطبيعة الحال ـ المحافظة على الصحة العامة، فإنه أيضا فرصة للتدريب على الصبر والتحمُّل ومقاومة الإغراءات، إضافة إلى إراحة الجهاز الهضمي، حتى يتفرغ الكبد لمهمة تنظيف الجسم من الشوائب التي تراكمت طوال السنة. ولأن فترة المكوث في المنزل بسبب الإغلاق تُعد طويلة ويجدها الصائم فرصة لتناول ما لذَّ وطاب تصل إلى حدِّ النهم، مما حرم منه طوال النهار، وهذا في حدِّ ذاته من الخطورة لما يسببه من أمراض أقلها أمراض السمنة. فإذا كان الابتعاد عن الزحام والتباعد والإغلاق جعل لتجنب فيروس "كوفيد 19" فيجب الحرص أيضا على الموازنة بين ما نتناوله من طعام خلال تلك الأوقات الطويلة التي نمكث خلالها في المنزل لتجنب أنواع أخرى من الأمراض.
وهنا تكمن المشكلة فالصائم، ومن دون أن يدرك، يسبب لنفسه الضرر، ويعرض جهازه الهضمي للكثير من المشاكل، خصوصا وأن تناوله الطعام بكميات كبيرة في ظل عدم وجود نظام غذائي قد يسبب له العديد من الأمراض، وينصح الأطباء بأن نتدارك هذه الفترات الكبيرة بقضاء معظمها في العبادة؛ لأن هذه مرادفات الشهر الفضيل، والتي تتنافى مع البذخ الغذائي المشهود في الشهر الفضيل، والذي يجب أن يقابله الحرص على التوازن الغذائي الذي يبدأ بالإفطار بقليل من الشوربة مع حبة أو حبتين من التمر أو سكر العنب؛ لأن السكاكر الأحادية سريعة الامتصاص لتعوض ما فقده الإنسان من طاقة في وقت قصير من الزمن. ولا ينصح بشرب كميات كبيرة من الماء أو العصير في هذا الوقت لكي لا تمتلئ المعدة، ثم الاستراحة التي يتبعها الوجبة الرئيسية التي يفضل أن تتضمن نوعًا واحدًا من الطعام, أو عدة أنواع متقاربة الفصيلة لكي لا يحدث تلبك معوي وعسر في الهضم، وتأخذ بكمية معتدلة لكي لا يحدث توسع في المعدة وبالتالي يحدث الألم والمغص؛ لأن سعة المعدة الطبيعية هي من 1 إلى 2 ليتر، وإذا حشوت بالطعام يتمدد جدارها ويحدث الألم، مع تفادي المواد الدسمة قدر الإمكان واستخدام الزيوت الخفيفة في الطبخ، مع الاعتماد على الفواكه لتسهيل عملية الهضم.‏ والحرص دائما على ممارسة بعض التمارين الخفيفة التي تستطيع تأديتها في المنزل للتخلص من طول فترة المكوث في المنزل ومقادير الطاقة الزائدة التي تم تناولها أثناء فترة الإفطار, وهي تساعد الصائم على الاسترخاء أثناء اليوم التالي خلال الصيام؛ لأن الرياضة تزيد من إفراز مادة الاندروفين الداخلي في الجسم.
ويؤكد الأطباء أنه يمكننا الأكل ما شئنا أثناء الصيام مع طول فترة الحجر بين فترة الإفطار والسحور. لكن بمراعاة معدل الطاقة الواردة إلى الجسم. وعلى الصائمين الاستفادة من شهر رمضان الفضيل ليقللوا من الطعام والشراب والتحكم بأهوائهم، فالصوم جُنة أي وقاية وهو من أدوية الروح والقلب والبدن، وهو مفيد جدًّا للحفاظ على الصحة والتخلص من الفضلات، ومنع النفس عن تناول ما يضرها، وفيه إراحة أعضاء الجسم واستعادتها لنشاطها، تقبل الله منا صيامنا.