[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/kazemalmosawy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]كاظم الموسوي[/author]لم يخطر ببالي أن أكتب أو أشترك في رثاء أو في وداع الدكتور خير الدين حسيب، بهذه العجالة، رغم أن الموت حق، إذ كان الرحل قبل أيام يكلمني عبر الهاتف، وسألته أولا عن صحته فأكد لي أنه بخير، وأنه يواصل برنامجه اليومي في القراءة والكتابة ومتابعة التطورات عموما.. وفي الحديث كعادته يطرح أسئلة ونقاشا حولها ويختمه بسلام لأصدقاء ورفاق لهم في القلب مودة.. وفي آخر زيارة لي لبيروت، قبل أكثر من عام، قبل الجائحة الكونية، دعاني لوليمة غداء في مطعم بيروتي في طابق خامس من بناية قديمة الطراز، أو كلاسيكية المعمار، وجلسنا في شرفته المطلة على ساحل البحر، ومن ذاك الارتفاع توسعت آفاق البحر والنظر والحوار.. كان مهموما بحرقة أعرف بعض أسبابها وحاولت التخفيف في بعض ما أستطيع رغم معرفتي بأنه يستمع جيدا، ولكن ما يدور برأسه هو الذي يقرره حتى لو خالف ما شغل الحديث أو سمعه ولم يعارضه.. والمجالس أمانات، فيها أسرار وأخبار، ولو أن بعضها لم يعد سرا، وأن صوته العالي بسبب ضعف سمعه أسمع بعضها لغير من أراد أن يسمعها أو يوصلها لغيره ممن استفاد منه بشتى السبل أو العناوين. في بعضها لوعة وشجن، وفي غيرها حزن وكمد.. فبعد تلك التجربة والعمر الطويل نسبيا، ما يقارب تسعة عقود من زمن عربي، لا يحسد عليه من عاشه بعيدا عن هموم السياسة والثقافة، فكيف لمن عاشه وهو في معمعانها أو في وسطها وفي ظروف تحتاج إلى مجلدات من التوصيف والعلم والخبر. بعد كل تلك السنوات يعاني من أمور ليس سهلا قبولها، أو يصل إلى ما لا يتوقعه يوما أن يحصل له ولم يحسب حسابه. ومع كل ما هو عليه كان يسألني عن محنة الوطن وما يجب أن نعمل أو نقدر على تضميد جراحه.الدكتور خير الدين حسيب، (آب/أغسطس 1929 - 12 آذار/مارس 2021)، الاقتصادي البارز في فترته في العراق، خريج الجامعات الشهيرة في بريطانيا، كمبردج وكلية لندن للاقتصاد، والموجود توقيعه على الدينار العراقي في زمنه، والمؤمن بتوزيع الثروات الوطنية للمستضعفين والكادحين في بلادهم، المنظِّر السياسي لطليعة عروبية ثورية، استقر ببيروت في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، بعد انغلاق بلده وسجنه وتعذيبه فيه، مخططا ليس لبقاء وعمل وظيفي وكفاه منه قبولا، بل لإنجاز طموحات شغلته، وتحقيق أحلام راودته، وزرع نبتات علم وثقافة لآفاق أبعد من مكانه. فحدد أمامه مخططا واسع التجليات وكثير التطلعات.. سجله على قاعدة مأسسة ما رسمه على ورق ليكون إبداعا مسؤولا وإنجازات تقوم على أسس وأعمدة وركائز موثوقة، مفيدة وعامة، ليس ليومها وحسب بل بتواصل الحاضر وامتداده لمستقبل منشود، معبِّرة عن وعيه والتزامه، فبدأ بمركز دراسات الوحدة العربية، ومجلة شهرية باسم المستقبل العربي، بالمعنى والدلالة، ملتقيا بمن يفكر مثله أو يعمل معه أو يحس بهدفه ومسعاه. وبنى بعضا منها مع هذه النخبة، التي عملت معه، أو شاركته الخطوات البكر، في تأسيس مؤتمر جامع لمثقفي الأمة وممارسي النضال الوحدوي، ومتوسعا بجمع ممثلين من تيارات الأمة الفكرية والسياسية، متقاربا من الكتلة التاريخية، لمشروع مستقبلي، مشروع النهضة العربية، بثوابته الدالة عليه، وتابعه بنظرته الإنسانية لحاجة الأمة للدفاع عن حقوق الإنسان فيها، وتنظيم أطر أخرى لمكافحة الفساد المتفشي، ولملمة الناشطين في علوم الاجتماع والسياسة والترجمة.. ولم تنتهِ الطموحات ولم تتوقف المحاولات. يتقدم في أغلبها دافعا لها ومشجعا عليها وحاسما في تأطيرها وتطويرها وتمثيلها وتجديدها، رغم العواصف التي تهب هنا وهناك، ورغم العراقيل أو المحبطات لمثل هكذا مؤسسات أو منظمات أو هيئات جامعة وواسعة الفكر والأبعاد.لم يتوقف عند ما أنجز وقدم، ممررا بينها ندوات ومؤتمرات، وما لها من مساهمة في الإثراء الثقافي والإغناء المعرفي، إضافة إلى المنشورات الصادرة عن المركز وتوزيعها وحتى إهدائها مجانا، مقترنة مع مساعٍ إلى تشكيل منتديات ثقافية عربية وإصدار صحف أو ما يعبر عنها، كما حصل في بغداد، بإدارة الراحل الدكتور وميض جمال عمر نظمي، أو في صنعاء بإدارة الراحل الدكتور عبد القدوس المضواحي، وفي غير عاصمة أخرى. كما سعى أن توزع كتب المركز بأسعار تشجيعية في أكثر من مكان في هذا الوطن العربي الكبير. وهناك الكثير.. الكثير من هذه المشاريع أو الأفكار التي كان الراحل يبدعها وينظمها ويوجهها، ويسعى إليها، واستفاد منها كثير ممن رد جميله أو أنكره جاحدا كما هو حاله في هذه الأيام والأحوال، وما عاد للأمر من قول يقال أو مقال ومقام، بعد أن أصابته في آخر أيامه، سهام كثيرة، تكسرت فيها النصال على النصال..ما سبق ذكره من نشاطات الراحل لا تعطي كل ما أنتجه ورعاه، ولا تلخِّص طموحاته وطاقاته وإنجازاته، ولكنها معالم عن مثال عروبي، معطاء، حازم في عمله وصادق مع نفسه ومخلص لالتزاماته، في قضايا السياسة أو الثقافة أو العلاقات العامة، تشغله قضية فلسطين وحقوق شعبها، التي لم تغب يوما عنه، فكرا أو ممارسة، ولا مسقط رأسه، التزاما ومحاولات لتوفير ما يمكن أن يقدم له أو ما يعينه على بلواه، وكل همٍّ عربي ووجع إنسان على مساحة الوطن والمعمورة. وله مبادراته ومشاركاته التي تستهدف التقدم والتطور وبناء الإنسان والأمة والوطن، بتسامح إنساني كبير، وتضامن شجاع مسموع، وإدراك ثقافي موجّه وحريص. وحتى لو لم تتفق معه في بعضها فلا يمكن أن تبخسه دوره وحرصه وقابلياته في الفكرة والعمل.رحل الدكتور خير الدين عن دنيانا، أما ذكراه فباقية، فيما أنجزه وما حققه، وهو كثير على مختلف الصعد والمستويات.. ومهما اختلف حول بعض ممارسات وقد تنتقده على غيرها ولكن منجزه متفق عليه، يظل للصالح العام ويشرئب للهدف الجامع. ومع ذلك ظلت بعض أحلامه معلقة لصعوبات وتداخلات، منها خطة إنشاء فضائية عروبية هادفة، أعد لها وشجع عليها، وبقيت خطوتها أو مشروعها مرهونا بما لا طاقة له، في زمن النكسة والكبوات المتلاحقة. كما ظل مشروع مؤسسة أكاديمية، جامعة عربية للدراسات الاستراتيجية والعلوم الحديثة، وطموح تخريج أجيال جديدة مواصلة للنهج ومتابعة للتطور ومساهمة في البناء والتقدم، ظلت هذه الجامعة من الأحلام الباقية على من يريد أن يتابع المشوار، مع معرفة برياح لا تشتهيها السفن، ولا تقدر عليها عواصف الأيام. ومثلها وقفيات وكراسي جامعية لتخليد أسماء شخصيات عروبية ضحت من أجل نهضة الأمة وتحرير الوطن.كم قاسية هي الأيام والذكريات.. كم صعبة هي الكلمات التي لا توفي الإنسان الراحل حقه، وداعا الدكتور خير الدين حسيب.