محمود عدلي الشريف:لقد منَّ الله تعالى علينا وعلى أولادنا في هذا الزمان بوسائل متعددة من التطور التكنولوجي، مما جعل أبناءنا أكثر حظًّا منا، فبالمقارنة بزماننا وزمنهم الحالي، لا يعتري الشك أحدنا على أن يوقن بأن الطفل الذي هو في زمن العاشرة اليوم يصل فهمه وفكرة إلى شاب عقل ساب بالغ فتي في الزمن الماضي، وهذا ما نلحظه على أولادنا من المشاركة والمعارضة وسرعة التصرف والعجلة في الطلب والإصرار على الرأي والتحكم في الغير والسيطرة على الفهم مما جعل الواحد منا ينظر إلى ولده ولوح رأسه متعجبًا، مما يراه من ولده الصغير مقارنًا بينه وبين نفسه، مندهشًا من حدة ذكائه وكبر عقله واتساعه وإدراكه ـ على الرغم من صغره ـ ما لم يحط به أبوه نفسه وهو في سنه، ولا غرابة.فالزمن غير الزمن، والأحوال ليست هي الأحوال، إذا كنا نتفق جميعًا على ذلك ونقر به، ألا وهو أن أولادنا حظوا بوسائل أوسع وأكبر وأكثر، مما جعلهم أذكى منا ونحن في سنهم، ولكن هذا له إيجابياته وسلبياته، والإيجابيات لا تخفي على كل ذي ناظرة، أما السلبيات فكثيرة، منها تضييع أوقاتهم أمام الأجهزة الإلكترونية، وعدم إقبالهم على العلم كما كنا نحن في السابق، الاستعجال فيما يطلبون وعدم صبرهم وتجلدهم حتى تأتيهم، حواراتهم مع والديهم بحدة وجرأة وقد تصل إلى الشدة، والعجيب أن ذلك قد يكون مع أساتذتهم ومعلميهم، ومع بعضهم البعض، وهذا ما يجعل الكثير من أولياء الأمور يضجر من هذا وينزعج كثيرًا، ولكنني أهمس في نفسي أولًا وفي أذن كل أب وأم أن تصبروا على أولادكم وتمهلوا عليهم، فلو مررنا بما هو فيه لكنا كما هم عليه.صدقوني ـ أيها الإخوة الكرام ـ فمنا من يجعل ذلك نوعًا من قلة التأديب والاحترام، وهو في رأيي المتواضع من الطبيعي بالنسبة لهم لما يعيشون فيه من وسائل منفتحة ولا متناهية، ولهذا إخوة الإيمان يجب علينا أن نراعي هذه النقطة ونحن نتعامل مع أبنائنا، وعندها سنستريح من الضيق الذي نلاقيه من بعضهم،ولهذا أهيب بكم ونفسي الهدوء معهم وتلمس الأعذار، والصبر على ما يبدو منهم ومعالجته بحكمه، انظروا إلى قول الله تعالى:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)(طه ـ ١٣٢)، الأمر هو الطلب الحازم القاطع، وأمر الأهل حيث يمكن التنفيذ، يكون بالتنفيذ والقدوة فيعلم أولاده وأهله الصلاة ويصلي معهم ويرون فيه الأسوة الحسنة التي يتبعوها، وقد أمره بملازمتها بقوله عزوجل: (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)،(الاصطبار (افتعال) من الصبر، وهو يدل على أنه يربي نفسه على قوة احتمالها، ورياضة النفس عليها بأدائها كاملة بخشوع وحضور، واستحضار لجلال الله تعالى علام الغيوب، وأنه يراه في عمله، وإن لم يكن هو يراه، وإن هذه التربية على العبادة التي أجل مظهر لها إقامة الصلاة فإن الصلاة عمود الدين، ولا دين من غير صلاة، كما أشار النبي (صلى الله عليه وسلم)، ليست هذه التربية لعائدة تعود على الله تعالى، فإن الله غني حميد، وإنما لتكوين أسرة صالحة، وِمجتمع صالح وجيل صالح)(زهرة التفاسير 9/ 4814)، يقول الشيخ الشعراوي:(وجاءت كلمة (اصبر) لتخدم كل عمليات الاستقامة، والصبر نوعان: صبر (على)، وصبر (عن) وفي الطاعات يكون الصبر على مشقة الطاعة، مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر، وفي اتقاء المعاصي يكون الصبر عن الشهوات، وهكذا نعلم أن الصبر على إطلاقه مطلوب في الأمرين: في الإيجاب للطاعة، وفي السلب عن المعصية، ونحن نعلم أن الجنة حٌقَّتْ بالمكاره، فاصبر على المكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات، فاصبر عنها)(تفسير الشعراوي 11/ 6729).وقد شرح لنا النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) هذه القضية فقال:(مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، (وهذا التكليف وإنْ كان في ظاهره من الأهل لأولادهم، إلا أنه في حقيقته من الله تعالى فهو الآمر للجميع، ولكن أراد الحق سبحانه أن يكون التكليف الأول في هذه السن من القريب المباشر المحسّ أمام الطفل، فأبوه هو صاحب النعمة المحسّة حيث يوفر لولده الطعام والشراب، وكل متطلبات حياته، فإذا ما كلفه أبوه كان أَدْعَى إلى الانصياع والطاعة؛ لأن الولد في هذه السن المبكرة لا تتسع مداركه لمعرفة المنعم الحقيقي، وهو الله تعالى، لذلك أمر الأب أن يعوّد ولده على تحمُّل التكليف وأن يعاقبه إنْ قصَّر، لأن الآمر بالفعل هو الذي يُعاقب على الإهمال فيه. حتى إذا بلغ الولد سِنًّ التكليف الحقيقي من المنعم الأعلى سبحانه كان عند الولد أُنْس بالتكليف وتعودُّ عليه، وبذَلك يأتي التكليف الإلهي خفيفاً على النفس مألوفاً عندها)(المرجع السابق 14/ 8426)، و(لأن في الصلاة مشقة تحتاج إلى صبر، فالصلاة تحتاج إلى وقت تأخذه من حركة الحياة التي هي سبب الخير والنفْع لك، فلا بُدَّ إذن من صبر عليها، وفَرْق بين اصبر واصطبر: اصبر الفعل العادي، إنما اصطبر فيها مبالغة، أي: تكلَّف حتى الصبر وتعَمَّده ، ومن ذلك أن تحرص على أداء الصلاة أمام أولادك لترسخ في أذهانهم أهمية الصلاة، فمثلاً تدخل البيت فتجد الطعام قد حضر فتقول لأولادك: انتظروني دقائق حتى أُصلي، هنا يلتفت الأولاد إلى أن الصلاة أهمّ حتى من الأكل، وتغرس في نفوسهم مهابةَ التكليف، واحترامَ فريضة الصلاة، والحرص على تقديمها على أيِّ عمل مهما كان، وكان سيدنا عمر ـ رـَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ يقوم من الليل يصلي ما شاء الله له أنْ يصلي حتى يؤذن للفجر، فيُوقظ أهله للصلاة فإنْ أبَوْا رَشَّ في وجوههم الماء؛ لأن الصلاة خَيْر من النوم، فالنوم في مثل هذا الوقت فيه راحة للبدن، أمّا الصلاة فهي أفضل وأعظم، ويكفي أنك تكون فيها في حضرة الله تعالى، وهَبْ أن رب الأسرة غاب عنها لمدة شهر أو عام، ثم فجأة قالوا: أبوكم جاء، فترى الجميع يُهرولون إليه، وهكذا لله المثل الأعلى، إذا دعاك، فلا تتخلّف عن دعوته، بل هَرْول إليه، وأسرع إلى تلبية ندائه، ولك أنْ تتصوَّر واحدا يناديك وأنتَ لا تردّ عليه ولا تجيبه، أعتقد أنه شيء غير مقبول، ولا يرضاه صاحبك، إذن: عليك أنْ تُعوِّد أولادك احترام هذا النداء، وبمجرد أن يسمعوا (الله أكبر) يُلبُّون النداء، ولا يُقدِّمون عليه شيئاً آخر، فالله لا يبارك في عمل ألهاك عن نداء (الله أكبر) لأنك انشغلتَ بالنعمة عن المنعم عَزَّ وَجَلَّ) (المرجع السابق15/ 9458).ومن هنا ينغي علينا أن نتسلل إلى قلوب أبنائنا من زاوية الدين والتدين، فهو المعول الوحيد القوي الذي نهدم به حائط العزلة بيننا وبينهم، ونسوي به العقبة المانعة بين عقولنا وعقولهم، ونمهد به الطريق لتسير قافلتنا جميعا في طريق نور الإيمان وهدى الإسلام، فحلوى الملذات وترف الملهيات وجذب وسائل الاتصالات والشغف بشبكة المعلومات واستمالة الألعاب الإلكترونية وغير ذلك جنود قوية تحاربنا لأخذهم من بين أيدينا، ومن هنا تحتم علينا أن نحارب أولئك الجنود، ولابد أن ننتصر عليهم ولا سواه فلو انهزمنا لأخذتهم تلك الوسائل، وقد تتيه بهم تلك الأفلاك، ويتعمقوا في أفلاكها إلا غير رجعة، والعجيب أن أولئك الجنود يحاربوننا في أولادنا من غير سيف ، وهذا ما يدعونا أن نهزمهم أيضا من غير سيف، بالحكمة والفطنة واللين والإقناع والاستمالة ، وشغل الأوقات بما هو أفضل، حتى نهزم ونأسر أولئك الجنود لنسخرهم لخدمتنا وخدمة أولادنا، حتى نخرج منهم أهل نفع وعلم وقوة، بمجالستهم الإنصات إليهم، والاستماع بروية وتؤدة، والتقرب إليهم ومراقبتهم بصفة دائمة، فالأعداء كثر، وهم يتربصون بأولادنا طيلة الأوقات، مر أحد الأصدقاء على جار له في وقت صلاة الظهر وهو يصلح دراجة لولده وولده معه،ثم مر عليه في صلاة العصر ووجده لا يزال يصلحها، فتعجب الرجل وقال لجاره: لم كل هذا الوقت؟ ويوجد بجواركم محل يصلح الدراجات، فأجابه جاره قائلًا: إنما أنا أقوم بإصلاح أمرين ، أصلح الدراجة، وأصلح العلاقة بيني وبين أولادي، هكذا لابد أن نكون .. داعين الله تعلى أن ينفع بهم البلاد والعباد.*[email protected]