ناصـر بن محـمـد الـزيـدي:
إن الله سـبحـانـه وتعالى مـيّز الإنسان عـن غــيره مـن سـائـر الكائنات التي تعـيش معـه، بـل سـخـر لـه مـا في الـسـمـاوات ومـا في الأرض وأسـبـغ عـلـيه نـعـمـه ظـاهـرة وبـاطـنـة، قـال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(الـبـقـرة ـ 30).
إن الله جـعـل الإنـسـان كائنًا أخـلاقـيًـا، أي: أنـه مـدرك للقـيم الخـلـقـية، قـادر عـلى الاتـيـان بالأعـمـال الـصـالحـة، فـهـو عـلى فـعـلـهـا قـادر بـإذن الله، وعـلى بـنـاء عـالـم داخـلي عـملي عـلى ضـوء تـربـيـة الإسـلام ومـقـومـات الإسـلام، فـيسلك عـلى مقـتـضاه بعــلـم واقـتـدار، ولعـلـه لهـذا السبب وضـعـه الله عـز وجـل في تـلك الـمـكانـة الـسامية، التي لـم يصـل إلـيهـا أي كائـن آخـر، فـبهـذا الادراك ولـهـذا الـفهـم وهـذا الـعـمـل الـمـنـبـثـق، مـن الـتربـية الإيـمـانـيـة والـقـيـم الأخـلاقـية، التي جـاء بـهـا خـاتـم الأنـبـياء والـرسـل، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عـمـران 102 ـ 103).
ومـن الـمـعـلـوم إن جـسم الإنسـان يـتـكـون مـن روح ومـادة، و يحـتـاج إلى غـذاء روحي ومـادي يـبـقـيه صـالـحـًا وينعــشه ويـنـمـيه فـلــذلـك إنـسانـيـة الإنـسـان لابـد لـهـا مـن غــذاء يـبـقـيهـا لـتحـيـا حـيـاة مـتـزنـة لا شـرقـيـة ولا غـربـية، وإذا كان الـغــذاء الــمـادي للجـسـم هـو هــذا الـطـعـام الــذي أنـعـم الله سبحانه وتعالى بـه لـنـا مـن الأرض، ويسخـر لـنـا في سبـيـله الأنـعـام لحـومـًا وألـبـانًـا، فـإن غــذاء الـروح الإنـسانـية للإنسان هـو الـربـية الإسـلامـية، فـالـتربـية الإسـلامـيـة والـقـيـم هـو الــذي يـنـعــش إنسانـية الإنسان، وهـو الــذي ينـمي قـوتـها، ويـبـقـيهـا عـلى أداء وظـيـفـتهـا وينعـشها ويـدعـمـهـا.
والإنسانـيـة التي تـترعـرع في ظـلال الإسـلام، وتأخـذ غـذاءهـا مـبادئه وقـيـمه، هـي الإنسانـية الـمـثـلـيـة عـمـلا وسـلـوكا كل لا يتجـزأ، يـعـلـم هـذا كل مـن ربي في ظـلال الإسـلام وقـيـمـه، وكل مـن أخـذ تعـالـيـمه وقـيـمـه مـن هـدي مـولاه، وخـالـقـه سـبحانه وتعالى، هـو الـذي يتعـيـش عـيـشـة الـهـنـاء والاطـمـئـنـان، عـنـدما يـنـظـر هـذا الــذي ربي في ظـلال الإسـلام إلى إنسانيـته يجـد أنـها تعـامـل الكـون كله طـبـق مـيزان واحـد، وتـرمـق إلى مـوازيـن الـعــدالـة، طـبـق مـبـدأ واحـد وشـرعـة واحـدة لا تـتـأثـر هـذه الإنسانية التي ربـيـت في ظـلال الإسـلام، لا تـتأثـر بـعـرق ولا تـتـأثـر بـعـنـصرية، ولا تـتحـيز إلى قـوم ولا تـفـرق بـين أقـارب وأباعـد بـأي شـكل مـن الأشـكال.
ونحـن الـمسـلـمـين (بحـمـد الله) مـن مـنـطـلـق هـذا الـغـذاء الـروحي الـذي نشـأت إنسانـيـتـنـا في ظـلالـه الـوارفـة، عـنـدما نـتألـم مـن الـظـلـم الــذي نـراه واقـعـا هـنـا أوهـناك، عـلى إخـوتـنـا وجـيـرانـنـا، فـإنـما نـتـألـم مـن الـظـلـم الــذي انـحـط ونـاء بـكـلـكـلـه عـلى أولـئـك الـعـزل الـبـراء، قال تعالى:(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (الـنسـاء ـ 98).
إن الإنـسانـيـة مـن حـيـث أنـهـا الإنسانية، إلا يحـق لـهـم أن يـعـيـشـوا كـما يـعـيـش غـيرهـم آمـيـنـين مـطـمـئـنـيـن، في وطـنـهـم وفي بـيـوتـهـم مـع أهـلـيهـم وأولادهـم، لا يـزعـجـهـم مـزعـج، ولا يـقـظ مـضاجـعـهـم شـيء، فـإذا كـنـا لا نـتأثـر ولا نـتألـم ولا نـقـلـق عـلى حـالـتهـم، فـإنـمـا الـخـلل في إيـمـانـنـا، قال تعالى:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)(آل عــمـران ـ 110).
إنـنـا نـحـن تـربـيـنـا في ظـلال الإيـمـان ، وإيـمـانـنـا يـأمـرنـا أن نـكـون أمـة وسـطًـا، لا نـمـيـل إلى عـرق أو قـرابة أو قـومـية أو أي شـيء مـن هـذه الـمـعـاني، التي تـضـيـق عـن رحـب الإنسانية الـواسـع ، عـنـد مـا نـتـألـم لـهـذا الـظـلـم الــذي انـحـط بـكـلـكـلـه عـلى إخـوة لـنـا وجــيران لـنـا سـلـبت مـنـهـم مـقـومـات حـيـاتـهـم: أخـذت أوطـانـهـم فـتـشـردوا، وهـدمـت بـيـوتـهـم عـلى رؤوسـهـم فـدفـنـوا أحـياء، وانتـهـكـت حـرمـاتهـم أخـذت مـنـهـم أمـوالهـم.
.. وللـحـديـث بـقـيـة إن شـاء الله.
• كاتب عماني