فيصل بن سعيد العلوي:قبيل صلاة الجمعة في مثل هذا اليوم من العام الماضي أشاهد أصدقائي الجنود من مختلف التشكيلات العسكرية في محيط بلدتي يحزمون أمتعتهم ويستقلون سياراتهم في وقت يقترب من بعضه في لحظة يتجه الناس إلى المساجد لأداء صلاة الجمعة، وأنا أشاهدهم ينتابني الكثير من الشكوك والريبة حول هذا التحرك غير المعهود، وكانت الأوضاع السياسية غير المستقرة في المنطقة تشير إلى نذر حرب أو ضربات عسكرية محدودة، ورغم الألم الذي يعتصرنا ربما من خبر نخشى سماعه إلا أننا نتجاهل كل ذلك ونضع الأوضاع السياسية في مقدمة مخيلتنا وأنها السبب الرئيسي وراء تحرك جنودنا، ربما خشية وقوع ضربة ما ولو كنا لا علاقة لنا بالأمر.ربما هو أمل الغريق الذي يتمسك بالقشة، ولكن الوخزة التي يشعر بها القلب هي خيار يتقدم قليلا ويتأخر، ولكنها المشاعر الإيجابية أرادت تجاهله، كانت كل وسائل التواصل تضج بتلك الخيارات التي نشعر بها، وجلها بل كلها ربما تمني النفس أن يكون الأمر غير ذلك الذي نتصور.. لكن الأخبار التي ترد من محيط جامع السلطان قابوس الأكبر لا تبعث على التفاؤل مطلقا، والاستعدادات التي تحيط مقبرة الأسرة المالكة هي الأخرى تؤكد النبأ الذي طالما تمنينا ألا يكون واقعا .. يمر هذا اليوم عصيبا، وينام الناس مشرعي الأعين متمسكين بالأمل والرجاء.فجر السبت التالي الشريط الأحمر العاجل على شاشة التلفاز وصوت المذيع الأجش الرخيم الذي ينعى في بيان تاريخي مؤلم رحيل المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله ـ قد أوقع هذا النبأ ما أوقع في مشاعر كل عماني وكل من يقطن هذه الأرض الطيبة، مشاعر مختلطة تأمل أن يكون ذلك حلما أو كابوسا، وأخرى سلّمت به واقعا صادما مؤمنة بقضاء الله وقدره، فقد تأكد لعمان الآن فجيعتها برحيل قائد عظيم أنار نهضتها وأسس أركان الدولة الحديثة، وبنى فيها إنسانها، وعزز مكانتها بين دول العالم، وجعلها منارة للتسامح والسلم والحياد.قررت لحظتها أن أتجه من بلدتي إلى جامع السلطان قابوس الأكبر لأصل في الوقت المناسب الذي أشاهد فيه جموع البشر من مختلف الجنسيات والأطياف بعضهم اصطف على الشارع ينتظر الموكب الأخير، وآخرون يملأون الجامع وساحاته يرفعون أيديهم بالوداع الأخير ودموعهم لا تتوقف يودعون من أنار لهم عمان وبنى لهم مدارسها، وعلّمهم أن يكونوا أوفياء لوطنهم ورايتهم من أجل عمان وحدها، كانوا ـ رغم الألم ـ يقفون شامخين بصلابة العماني الذي أراد أن يؤسسه باني نهضة عمان الحديثة مؤمنين بقضاء الله وقدره، يودعونه بألم وحزن يعتصر النفس ويختلط صوت البكاء بلحظات ضعف إنساني، عهدناها حزنا على الراحلين الأقربين رحمة من الله.ودَّعت عمان في مشهد لن يمحى من الذاكرة قائدها العظيم ووالدها الحاني بأكف تضرع بالدعاء، وأيادٍ تودّع ذلك النعش المتوشح بعلم الوطن العزيز وهو يعبر لحظاته الأخيرة (في جامعه الذي شيّده على نفقته الخاصة) على أكتاف أبناء شعبه مودعين بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وقلوب يعتصرها الحزن على المغفور له بإذن الله تعالى قائدهم الذي أحبهم وأحبوه ـ رحمه الله. وها هي الذكرى الأولى لوفاته ـ طيَّب الله ثراه ـ تطل علينا في هذا اليوم مستذكرين كل خير شهدناه على يديه، كما شهده الآباء والأجداد من قبل داعين الله تعالى أن يجزيه عن كل ذلك خير الجزاء وأعظمه وأوفاه، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.. إنه سميع مجيب الدعاء.