[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/khamis.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60"width="60"]خميس التوبي[/author]
تمضي الأيام، وتتعاقب الدهور والسنون تاركةً الدروس والمواعظ والعِبَرَ للأجيال المتعاقبة علَّها تستفيد منها، وها هو العام 2021 تفصلنا أيام من شهره الأول (يناير الجاري) ليكتمل عقد ما سمي زورًا بـ"الربيع العربي"، حيث تقترب ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير في أُم الدنيا، التي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك.
لقد تدحرج "الربيع العربي" إلى أُم الدنيا بعد شوط قطعه في تونس حيث كانت نقطة البداية من محمد البوعزيزي الذي حرق نفسه تعبيرًا عن مدى ما ألمَّ به من ظلم، والإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي بعد اشتعال أوار المواجهات وخروجه من تونس لاجئًا إلى المملكة العربية السعودية، لتمثل مصر الحجر الثاني من حجر الدومينو المتهاوي بقوة الفوضى الخلاقة المتدثرة بثوب "الربيع العربي"، والتي بشَّرت بها الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس، حيث كانت نقطة البداية من "كلنا خالد سعيد" وحركة شباب 6 أبريل، وحركة كفاية وغيرها، وأمام قوة الاندفاع وارتفاع سقف المطالب الشعبية لم يكن أمام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك سوى التخلي عن الرئاسة في الحادي عشر من فبراير 2011م، عبر بيان مقتضب أعلنه نائب الرئيس عمر سليمان، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة حسين طنطاوي بإدارة شؤون مصر.
على أن ما حدث في مصر ـ وكما يحب المصريون أن يطلقوا عليه اسم "ثورة" ـ يحمل في طياته مزيجًا من الدروس والعِبَر والمواعظ، لجهة حالة الثقة الزائدة الاطمئنان الكبير التي بدا عليها الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، والتي جعلته لا يأبه لصرخات المواطنين المصريين، ويدير ظهره لكل ما يقال ويكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يتفطن لحالة التحشيد والشحن الذي تقوده حركات ناشطة ومعارضة وناشطون ومأجورون، وتقف وراءه أجهزة استخبارية مركزية خططت لسنوات وصولًا إلى هذه اللحظة التاريخية والفارقة التي تتبعثر فيها المنظومة العربية، وتسقط دولها كأحجار الدومينو، حيث نسي الرئيس مبارك قوة شعبه نتيجة ثقته الزائدة بوجود مؤسسة عسكرية قوية خلفه، وأجهزة استخبارية وأمنية أمامه، وبوجود الولايات المتحدة عن يمينه، وعن يساره كيان الاحتلال الإسرائيلي والقوى الغربية المتحالفة معه، ودول عربية، ما دفع مبارك ليقول عبارته الشهيرة غير ملتفت للتحذير "خليهم يتسلوا".
المشكل أن ما يغيب عن بال الكثير من القادة والحكام في هذا العالم هو الحقيقة الثابتة وهي أن الشعب مصدر قوة أي قائد أو حاكم، وليس القوات العسكرية أو الأجهزة الأمنية والاستخبارية، والتاريخ الحديث يسجل لنا صورًا حية عن قوة الشعوب ومكانتها، فهي المصدر الذي لا ينضب ويستمد منه شرعيته ومكانته وحيويته ودوره. ولعل ما حدث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية خير دليل، حيث يقال بأنه كان حوالي نصف مليون جندي يلتفون حول شاه إيران محمد رضا بهلوي، فضلًا عن ما يتمتع به من علاقات واسعة وحميمية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة والقوى الغربية، وحتى العربية، إلا أنه أمام الطوفان الشعبي اضطر إلى مغادرة بلاده. والمثال الآخر الذي يرسل لنا التاريخ مواعظه ودروسه من فنزويلا حين حاول مجموعة من الضباط تنفيذ الانقلاب ضد الرئيس الراحل هوجو تشافيز بإيعاز من الولايات المتحدة والإتيان برئيس تابع لها، كان للشعب الفنزويلي الكلمة الأعلى والقوة الأمضى، فأعاد الفنزويليون رئيسهم الذي أحبوه وأحبهم وأخلص لهم، وما كان للشعب الفنزويلي أن يتصدى للانقلاب وينتصر لولا قربه منهم وملامسته احتياجاتهم وتلبية مطالبهم وتطلعاتهم.
وما يلفت الانتباه هو أنه رغم الفهم الواسع والقدرة العالية على التحليل والاستنتاج، لم ينتبه أحد لخطاب الخديعة الذي ألقاه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في جامعة القاهرة والذي كان بداية الإعلان والتمهيد لانطلاق الفوضى الأميركية الخلاقة بستار "الربيع العربي".
"خليهم يتسلوا" هي العبارة التي دفع ثمنها غاليًا الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ولا ريب أنها ستكون إحدى العبارات الخالدة في سجل التاريخ وفي الذاكرة الجمعية العربية عامة والذاكرة الجمعية المصرية خاصة، وإحدى العبارات التي يجب أن يؤخذ منها العِبَر والمواعظ، فـ"المتغطي بأميركا عريان" كما قال مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري في فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.