د.جمال عبدالعزيز أحمد ✽تحفل الدراسات اللغوية، والنحوية الحديثة بدراسات وأعمال علمية جديدة تبيِّن جمال اللغة، وجمال قواعدها، وجلال معطياتها، والدراسات النصية، والدراسات اللسانية التطبيقية، ونحوها من الدراسات الناشئة التي تتغيَّا بيانَ ميزات لغتنا الجميلة، وتوضيح سماتِها، وإظهار خصائص تراكيبها، والدراسة النصية أو التي تنشأ في أفياء علم النص ومعطياته هي دراسات تنظر نظرة كلية للنص، وكأنه جملة واحدة، مترابطة الحروف، متناغمة الأصوات، متلاحمة الأعضاء، متداخلة: سبكا وحبكا، لفظًا ومعنى، لا يمكن للمرء أن يبدأ فيها حتى ينتهي منها، وهو في متعة الدلالات، وفي أغوار جلال المعاني والمرادات، ونأخذ سورة الفلق نستنير بها في ضوء هذا العلم الذي هو أمٌّ رؤومٌ للنص، تحنو على كلماته، وتقرِّب بعيده، وتُدنِي قريبه، وتبيِّن جليله، وفريده، ومعطياته العديدة، يقول الله تعالى:(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).بدأت السورة بفعل الأمر (قل) الذي يراد به الإلزام على سبيل الاستعلاء، وفي الوقت نفسه يفيد العظة والنصح:(قل)، وفاعله مستتر وجوبًا، والفعل ـ كما هو معلوم، ومقرر لغة ـ يرتبط بفاعله ارتباطًا أساسيًا، فلا فعل إلا بفاعل، والفاعل يفعل الفعل، فلا غِنًى لأحدهما عن الآخر، ثم يأتي مقول القول:(أعوذ برب الفلق)، و(أعوذ) مضارع يفيد الاستمرار، فالعوذ والالتجاء دائمٌ، ومستمر، لا ينقطع ما دام في الجسد قلبٌ ينبض، وفيه صدرٌ يتنفس، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره:(أنا) مرتبط بفعله ارتباطًا موثَّقا، والمستعاذ به هو رب الفلق، رب الكون الذي يفلق كلَّ شيء فينضح نورًا، ويزدان بهاءً، وظهورًا، والاستعاذة هنا بالرب الذي يعني الحنوَّ، والتربية، والحدب، والإشفاق، والرحمة، والإضافة للتشريف، وشبه الجملة (برب الفلق) متعلق بالفعل (أعوذ)، فهو فيرتد إليه، والفعل يأخذه، ويحنو عليه، ويتعلق الشبه بأمه أي بفعله، أو هو في محل نصب حالًا، والمعنى أعوذ ملتجئا لرب الفلق، الذي بيده كلُّ فلق، وخير، ونعمة، وعطاء، وبأس، ومنعة، وجملة مقول القول في محل نصب، فهي بمثابة المفعول به، والمفعول مع الفعل والفاعل كالشيء الواحد: تماسكًا، وترابطًا، ثم تأتي أسباب الاستعاذة:(من شر ما خلق)، فشبه الجملة (من شر ما خلق) متعلق كذلك بالفعل، أو في محل نصب حالًا، و(ما) مضاف إليه، والجملة صلة الموصول، أو نعتبر (ما) مصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدر مضاف إليه، أي: أعوذ بالله من شر خلقه، فـ(مِنْ) جرت كلمة (شر)، وكلمة (شر) جَرَّتْ ما بعدها، وهو (ما)، وما تطلَّبتْه بعدها من صلة الموصول الاسمي، أو صلة الموصول الحرفي، فكله مترابط، وشديد التماسك، و(ما) هنا ـ كما سلف ـ موصولة، أو مصدرية مبهمة لكثرة الشر، وتنوعه، وتعدده، والمفعول للفعل (خلق) محذوف تقديره (خلقه)، وقد حُذِفَ للعلم به، ولأن الجميع مسلم بأن الله هو الخالق لكل شيء، فالحذف تقدير لفهم المخلوق له، وإعلاء من شأن اعتقاده، وإكبار لكلِّ مؤمن بالله، ثم تأتي الواو العاطفة لتعطف شبه الجملة بعدها على شبه الجملة قبلها بكل حنو، ورقة، وعطف:(ومن شر غاسق إذا وقب) أي: من شر ليل إذا اقترب، ودخل، وغاسق: مضاف إليه، وهو مجاز مرسل علاقته الزمانية، أيْ: من ليل يحدث فيه شر، وكأن الليل لمَّا كان زمنا يحدث فيه الشر، والفعل نُسِبَ الفعل إليه، وعاد الحدثُ عليه، كما نقول ليل نائم، ويوم صائم، وبيت ساكن، ونحو ذلك من عبارات تبيِّن نوع المجاز، وعلاقته، و(شر) مجرور بـ(من)، وهو نفسه جار لـ(غاسق)، و(إذا) ظرفية، أي: وقت وزمن دخوله، واقترابه، والفعل (وقب) فاعله مستتر جوازًا تقديره هو، وهو فعل لازم مال على فاعله، واكتفى به، وجملة (وقب) هو مضافة للظرف (إذا)، والظرف (إذا) متعلق بالفعل (أعوذ) بعد تعلقه باسم الفاعل (غاسق)، ثم يستمر العطف بشبه الجملة يتعانق مع المعطوفين السابقين تعاطفَ حنوٍّ، وتماسكٍ، وترابطٍ، وتلاحم، (ومن شر النفاثات في العقد) أي: من شر الساحرات اللواتي ينفثن في العقد التي يصنعْنَها ظانِّين أنهن يمكنهن أذيَّة أحد من خلق الله، وشبه الجملة متعلق بالفعل (أعوذ)، ومفعول النفاثات محذوف، أي: النفاثات شيئًا في العقد، وكله معطوف على كله، ثم يأتي الختام:(ومن شر حاسد إذا حسد)، أي: أعوذ بالله من كل حاسد وقت حسده، وإرسال شره إلى المحسود، وشبه الجملة إما أنه متعلق بالفعل، وإما أنه حال في محل نصب، و(حاسد) مفعولها محذوف، أيْ حاسد أحدًا، والفعل (حسد) كذلك مفعوله محذوف، أيْ حَسَدَ أحدًا من الناس، وكما نرى، فإن كل آيات السورة، وكلمات كل آية مشدودة برباط وثيق بين بعضها، إما برباط العطف، وإما برباط الجر بالحرف، أو بالإضافة، وإما برباط الفعل مع فاعله، أو الفعل مع فعله، ومفعوله المحذوف، وإما برباط المقول مع القول، وإما برباط التعلق، وإما برباط الحالية ـ كما رأينا ـ في تحليل الآيات، وكلماتها، وكلُّها عبارة عن أشباه جمل تعلقت بفعلها، ونطق كأنها استعاذة واحدة من كلِّ ذلك متعلقة بفعل واحد، وهذا جعلها شديدة الترابط، محكمة السبك، قوية الحبك، فاللهم، إنا نستعيذ بك من شر كل ذي شر، وأعنا من شرِّ ما خلقت، ومن شر الليل، وما يحمله من فزع، وأخبار صعبة، ومن شَرِّ الساحرات والسحرة، ومن شرِّ كل حاسد، يارب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.