د/ محمد بن عبدالله الهاشمي:
ذكرنا في الحلقة السابقة ونحن نتناول العوارض المكتسبة، ذكرنا عارض السكر وسنذكر في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ (عارض السفه).السفه هو: عبارة عن خفة تعرض للإنسان من الفرح والغضب فتحمله على العمل بخلاف طور العقل وموجب الشرع.
وبتعريف آخر: تبذير المال وإتلافه على خلاف ما يقتضيه الشرع والعقل، والسفيه: هو الذي يتصرف في ماله على خلاف مقتضى العقل السليم.
ويُعدُّ السفه من عوارض الأهلية المكتسبة، لأنّ السفيه يعمل باختياره ورضاه على خلاف مقتضى العقل.
* تأثير السفة على الأهلية السفة لا يؤثر على الأهلية بنوعيها أهلية الوجوب وأهلية الأداء، فالسفيه كامل الأهلية لأنّ مناط الأهلية العقل والبلوغ وهما موجودان في السفيه، لذا فهو مخاطب بجميع التكاليف ولكن يؤثر السفه في بعض الأحكام بسبب الضعف في إدارة الأموال والتصرف غير الحميد.
والسفه كما يكون من البالغ العاقل، ويكون أيضًا من الصبي المميز، فالأصل أنّ الصبي إذا بلغ الرشد تدفع إليه أمواله، بدليل قول الله عزوجل:(وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، فقد أفادت الآية الكريمة أن الصبي إذا بلغ الرشد يُدفع إليه ماله يعد اختيار وتمحيص.
ولكن إذا بلغ الصبي سفيها لا يدفع إليه ماله، لقول الله عزوجل:(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ).وأمّا طلاق السفيه، فيقع طلاقه عند جمهور الفقهاء، لأنه مكلّف مالك لمحل الطلاق، والحجر عليه في ماله لا يمنع تصرفه في غير ما هو محجور عليه فيه كالمفلس، وأيضًا السفيه يملك الزواج بنفسه فيملك انهاءه بالطلاق، والحجر عليه يكون في التصرفات المالية والزواج ليس من التصرفات المالية، ولذا لا يتضمنه الحجر فصح وقوع الطلاق منه.
* الحجر على السفيه اختلف الفقهاء في صحة الحجر على السفيه، سواء كان السفه أصليًا ــ بأن بلغ الإنسان سفيهًا ــ أو كان طارئًا أي: طرأ عليه السفه بعد البلوغ:
الأوّل: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ السفيه يحجر على تصرفاته، فإذا كان الإنسان سفيهاً وجب الحجر عليه، واستدلوا على ذلك:
1 ـ يقول الله عزوجل:(فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ).فقد أفادت هذه الآية الكريمة بثبوت الولاية على السفيه، وذلك لا يتصوّر إلا بعد الحجر عليه.
2 ـ ما روي أنّ علي بن أبي طالب ــ كرّم الله وجهه ــ طلب من الخليفة عثمان بن عفان أن يحجر على عبدالله بن جعفر لتبذيره المال، ولو لم يكن الحجر على السفيه جائزاً لما طلب علي بن أبي طال الحجر على عبدالله بن جعفر.
3 ـ السفيه لا يحسن التصرف لتبذيره المال، فهو في حاجة لمن يرعاه ويصون ماله، وهذا لا يتأتى إلا بالحجر عليه.
4 ـ الحجر على السفيه فيه منفعة له، حتى لا يكون عالة على غيره، وأيضًا يدفع الضرر عن الجماعة بعدم تحمل بيت المال نفقة السفيه.
الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى عدم الحجر على السفيه واستدلوا:
1 ـ بأنّ السفيه مخاطب بالأهلية، وهي البلوغ والعقل، ولهذا يبقى مخاطباً بحق الشرع، فتصح تصرفاته القوليّة كالطلاق والنكاح، ويحبس في ديون العباد، ويُعاقب على جرائمه، فلو كان السفه معتبراً في حقه بعد البلوغ ولزوم الحجر عليه، لكان الأولى أن يحجر عليه في إقراره لأسباب العقوبات، لأنّ الضرر على النفس أشد من ضرر المال.
2 ـ إنّ الإنسان تكمل أهليته بالبلوغ والعقل وتتم شخصيته، فالحجر عليه إهدار لكرامته وإنقاص لإنسانيته وهذا لا يجوز.
3 ـ رويّ أنّ رجلاً كان يغبن في البياعات، فأتى به أهله إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طالبين الحجر عليه، فلم يحجر عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وإنما أمره أن يتشرط لنفسه الخيار في البيع، فلو كان الحجر جائزاً لحجر عليه.
وعلى القول بصحة الحجر على السفيه، هل يحتاج إلى صدور الحكم من القاضي لحجر السفيه، أم يحجر عليه بذات السفه؟ ذهب بعض الفقهاء إلى: أنّ السفه علّة للحجر، فمتى وُجِدت العلّة وجد المعلول أي الحجر، ومتى انتقت انتقى الحجر، كما هو الحال في الجنون والعفة والصغر، وذهب بعض الفقهاء إلى: أنه لا بُدّ من صدور حكم من القاضي للحجر على السفيه، وعلّتهم: أنّ الحجر مبناه مصلحة المحجور عليه، وهي مترددة بين إثبات الحجر عليه لحفظ ماله وبين ترك الحجر عليه لئلا يهدر قوله، والقول الفيصل في ذلك حكم القاضي، وبناء على هذا الحكم فإنّ تصرفات السفيه قبل الحجر عليه من قبل القاضي تكون صحيحة ونافذة..
.وللحديث بقية.
* قاضي المحكمة العليا
[email protected]