محمود عدلي الشريف :
يتعرض كل إنسان كل يوم لبعض المصادمات مع غيره من البشر، سواء على الصعيد الضيق في بيته مع زوجته وأولاده، أو على الصعيد الواسع في عمله أو الشارع أو أي مكان، ولأن الناس ليسوا بعقله هو ولا يتعاملون حسبما يريد، وهنا تحدث تلك المصادمات، وحتى تيجنب تلك المصادمات والتي ينتج عنها بعض الخلافات، لهذا ينبغي على المؤمن أن يكون فطنًا في كل شيء وفي كل جوانب حياته، فلو أعمل المؤمن عقله واستخدم فطنته مع مشاكله اليومية مع كل ما معه ومن حوله، فإنه يستريح ولا يجد في نفسه غضاضة من أحد، ولا أقصد بالفطنة ما يشبه على بعض الناس خطأ أنهم يفهمون معنى الفطنة أنها النفاق أو المداهنة أو الإستخفاف بالآخرين، وهذا لا شك فهم خاطئ للفطنة، فليست الفطنة كما يتوهم البعض أنها تلك الأمور الخاطئة من النفاق والمداهنة وما شابه، فالفطنة بمعناها العام هي البصيرة وحسن التصرف، يقول صاحب (لسان العرب ج4، ص:65):(البَصِيرَةُ: عَقِيدَةُ الْقَلْبِ. قَالَ اللَّيْثُ: البَصيرة اسْمٌ لِمَا اعْتُقِدَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الدِّينِ وَتَحْقِيقِ الأَمر؛ وَقِيلَ: البَصيرة الْفِطْنَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَعمى اللَّهُ بَصَائِرَهُ أَي فِطَنَه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن مُعَاوِيَةَ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي هَاشِمٍ تُصابون فِي أَبصاركم، قَالُوا لَهُ: وأَنتم يَا بَنِي أُمية تُصَابُونَ فِي بَصَائِرِكُمْ. وفَعَلَ ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَي عَلَى عَمْدٍ، وَعَلَى غَيْرِ بَصيرة أَي عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: ولتَخْتَلِفُنَّ عَلَى بَصِيرَةٍ أَي: عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنْ أَمركم وَيَقِينٍ. وَفِي حَدِيثِ أُم سَلَمَةَ: أَليس الطريقُ يَجْمَعُ التاجِرَ وابنَ السَّبِيلِ والمُسْتَبْصِرَ والمَجْبورَ، أَي المُسْتَبِينَ لِلشَّيْءِ؛ يَعْنِي أَنهم كَانُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ.. اه).
وهذا مطلب شرعي فقد ذكر الله تعالى ذلك في كثير من آيات كتابه العزيز، والبصيرة هي أساس الوضوح وسلامة المنهج والطريق، وخير وسيلة لتقوية البصيرة، وفطنة الفهم والتعقل كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ثم يأتي بعد ذلك الحكم والأمثال التي انقدحت عن ذوي الألباب من أهل العلم والأدب والتجارب، قال (صلى الله عليه وسلم):(إن من البيان سحرًا وإن من الشعر حكمًا) (أخرجه أحمد 1/269، أبو داود 5/278ـ279، ابن ماجه 2/1235ـ1236)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (والحكمة الإصابة في غير النبوة) (صحيح البخاري ج3، ص: 33، برقم: 3756)، قال بعضهم:(الحكمة نور الأبصار، وروضة الأفكار ومطية الحلم، وكفيل النجاح وضمين الخير والرشد، والداعية إلى الصواب، والسفير بين العقل والقلوب، لا تندرس آثارها، ولا تعفو ربوعها، ولا يهلك امرؤ بعد عمله بها)، ومن الحكمة البيانية حسن الجواب وحضوره عند الحاجة إليه، قال مسلمة ابن عبد الملك: (ما شيء يؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإن الجواب: إذا انعقب لم يكن شيئاً) (المحاسن والأضداد للجاحظ ص:21)، نقلًا عن كتاب (الآثار التربوية لدراسة اللغة العربية ص: 500)، وقد جاءت السنة البنوية الكريمة بالدعو إلى التفطن والتبصر بالأمور، وأن يكون المؤن حسن التصرف قوي الجأش عظيم البأس يؤثر في غيره كما أن غيره يؤثر فيه، ولا ينساق خلف كل ناعق أو منافق، ففي (أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني ص: 306) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ وَقَّافٌ، مُتَثَبِّتٌ عَالِمٌ وَرِعٌ، لَا يَعْجَلُ، وَالْمُنَافِقُ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ حُطَمَةٌ، لَا يَقِفُ عِنْدَ شُبْهَةٍ، وَلَا يَنْزِعُ عَنْ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ كَحَاطِبِ لَيْلٍ لَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَسَبَ وَفِي مَا أَنْفَقَ)، وجاء بلفظ آحر عند (مسند الشهاب القضاعي 1/ 107) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فُطِنٌ حَذِرٌ)، فما نراه الآن من البعض أنه حاد الطبع قليل الحيلة ضعيف التحمل ضيق الصدرسريع الغضب لا يعمل الفهم في المواقف بل يستشط غضبًا، على الرغم من أنه لو أعمل فطنته لها الأمر عليه ولكان له من الحلول ما زاد على الموقف ذاته، وانظروا إخواني الكرام إلى هذا الموقف الصعب الذي فعله شاب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الشاب يريد الزنا ـ والعياذ بالله ـ وهو ما هو من الحرمة والجرمة والفسق والعصيان، وهو في حد ذاته جرم كبير، ومع ذلك الشاب يأتي بكل جرءة وبكل غطرسة، ولم يأت إنه جاء إلى رسول الله نفسه، ثم يطلب منه أن يأذن له بالونًا، تخليوا لو جاءهذا الشاب لأحدنا! أعتقد أن البعض كان سيفكر في قتله، ومع ذلك انظروا ماذا فعل معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ .. مَهْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(ادْنُهْ) فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ) فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد ج6/ 445)، وهو عند (أحمد برقم 22265)، وفي (السلسلة الصَّحِيحَة: 370)، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح، والأمثلة على فطنته (صلى الله عليه وسلم) في مثل هذه المواقف كثيرة ولم لا وهو (صلى الله عليه وسلم) من علم الناس الفطنة، وقد علّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يتعاملوا بالفطنة ورباهم على ذلك، فكانوا جميعًا أهل فهم وفكنة وبصيرة، ومنقول عنهم ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في هذا الباب كثير وكثير، وعلى سبيل المثال، وَمن الْمَنْقُول عَن عمر بن الْخطاب ـ رضى الله عَنهُ ـ حَدثنَا اسْلَمْ عَن أَبِيه قَالَ: قدمت على عمر بن الْخطاب حلل من الْيمن فَقَسمهَا بَين النَّاس فَرَأى فِيهَا حلَّة رَدِيئَة فَقَالَ: كَيفَ أصنع بِهَذِهِ إِذا أعطيتهَا أحد لم يقبلهَا إِذا رأى هَذَا الْعَيْب فِيهَا قَالَ: فَأَخذهَا فطواها فَجَعلهَا تَحت مَجْلِسه واخرج طرفها وَوضع الْحلَل بَين يَدَيْهِ فَجعل يقسم بَين النَّاس قَالَ فَدخل الزبير بن الْعَوام وَهُوَ تِلْكَ الْحَال، قَالَ: فَجعل ينظر إِلَى تِلْكَ الْحلَّة، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِه الْحلَّة؟!، قَالَ عمر: دع هَذِه عَنْك، قَالَ: مَا هيه مَا هيه مَا شَأْنهَا، قَالَ: دعها عَنْك، قَالَ: فأعطينيها قَالَ: إِنَّك لَا ترضاها، قَالَ: بلَى قد رضيتها فَلَمَّا توثق مِنْهُ وَاشْترط عَلَيْهِ أَن يقبلهَا وَلَا يردهَا رمى بهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا أَخذهَا الزبير وَنظر إِلَيْهَا إِذا هِيَ رَدِيئَة فَقَالَ لَا أريدها، فَقَالَ عمر: أيهات قد فرغت مِنْهَا فأجازها عَلَيْهِ وأبى أَن يقبلهَا مِنْهُ) (الأذكياء ص: 23)، بل وقد علم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أبنائهم ذلك، فقد جاء عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إنَّ من الشَّجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنَّها مَثَل المسلم، فحدِّثوني ما هي؟ فوقع النَّاس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: فقال: هي النَّخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر قال: لأن تكون قلت: هي النَّخلة. أحبُّ إليَّ من كذا وكذا) (رواه البخاري برقم: 61، ومسلم 2811).
.. وللحديث بقية.