محمود عدلي الشريف*اعلموا ـ إخوة الإيمان ـ أن الدعاء المقبول المستجاب من فضل الله تعالى، واستجابته سبحانه لهذا الدعاء يعود على المدعو له بالتجارة الرابحة وأي ربح! إنه ربح عظيم .. فمن عجائب الدعاء أيضا من جاء في (السيرة النبوية لأبي شهبة 2/ 556 ـ 557): دعاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجرير بن عبدالله البجلي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا جرير، ألا تريحني من ذي الخلصة؟! ـ بيت لقبيلة خثعم كانوا يدعونه بالكعبة اليمانية ـ قال ـ أي جرير: فنفرت في خمسين ومائة فارس، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فضرب يده في صدري فقال:(اللهم ثبته، اجعله هاديًا مهديًا) فلم يسقط بعد عن فرس، قال: فانطلق، فحرقهما بالنار ـ أي: تلك الكعبة المزعومة ـ ثم بعث جرير ـ رضي الله عنه ـ إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجلا يبشره ـ يُكنى أبو أرطأة ـ منا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب، فبرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على خيل أحمس ورجالها خمس مرات) (وأحمس هي القبيلة التي جرير ـ رضي الله عنه ـ منها).وهنا يتجلى لنا الدعاء بأبهى صور استجابته، فقد ثبت جرير على ظهر الخيل بعد أن كان يسقط من فوق ظهورها، والأمثلة على أدعية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه كثيرة، بل وقد تعلم ذلك منه أصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين، فقد ذكر صاحب كتاب (سير أعلام النبلاء 1/ 398) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال عمر ـ رضي الله عنه ـ اخرجوا بنا إلى أرض قومنا، فكنت في مؤخرة الناس مع أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ فهاجت سحابة فقال:(اللهم اصرف عنا أذاها قال: فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر ـ رضي الله عنه: ما أصابكم الذي أصابنا. قلت: إن أبا المنذر، قال: اللهم اصرف عنا أذاها قال: فهلا دعوتم لنا معكم) وهنا أدرك ـ رضي الله عنه ـ أن دعوة أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ مستجابة، وفي هذا دعوة لأن يدعو كلنا لكلنا، عسى الله أن يرفع عنا كل بلاء، وهنا العديد من دعوات أصحاب رسول الله المستجابة، ومنها ما ورد: عن أبي سعيد قال: قال أبي بن كعب ـ رضي الله عنه: (يا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما جزاء الحمى؟ قال: تجري الحسنات على صاحبها، فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك)، فلم يمسي أبي قط إلا وبه الحمى، قال الذهبي ـ رحمه الله:(قلت ملازمة الحمى له صرفت من خلقه يسير) (المرجع السابق 1/ 392)، وهنا صبر على الابتلاء ودعوة للشفاء والجهاد في سبيل الله تعالى، بل وقد تعلم السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ هذا الفضل العظيم الذي أودعه الله تعالى في الدعاء، وأنه تعالى إذا استجاب بفضل منه دعاءً، كان فتحًا على صاحبه، وفضلًا واسعًا من الله تعالى عليه، فقد ورد في (حلية الأولياء لأبي نعيم 10/ 220 تحقيق مصطفى عطا) قال أبو نعيم:(سمعت محمد بن الحسن بن موسى يقول: سمعت جرير يقول: بلغني أن يعقوب بن الليث اعتقل بطنه في بعض كور الأهواز، فجمع الأطباء فلم يغنوا عنه شيئًا، فذكر له سهل بن عبدالله فأمر بإحضاره في العماريات فأحضر، فلما دخل عليه قعد على رأسه وقال: اللهم أريته ذل المعصية، فأره عز الطاعة، ففرج عنه من ساعته)، وفي كتاب (مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا ص:55) قال ابن أبي الدنيا:(حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني محمد بن سويد أن أهل المدينة قحطوا وكان فيها رجل صالح لازم لمسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبينا هم في دعائهم إذ أنا برجل عليه طمران خلقان، فصلى ركعتين أوجز فيهما ثم بسط يديه إلى الله، فقال: يا رب أقسمت عليك إلا أمطرت علينا الساعة، فلم يرد يديه ولم يقطع دعاءه حتى تغشت السماء بالغيم، وأمطروا حتى صاح أهل المدينة مخافة الغرق فقال: يا رب إن كنت تعلم أنهم قد اكتفوا فارفع عنهم فسكن وتبع الرجل صاحب المطر حتى عرف صومعته ثم بكر عليه فنادى: يا أهل البيت، فخرج الرجل فقال قد أتيتك في حاجة قال: وما هي؟ قال: تخصني بدعوة؟ قال: ما الذي بلغك ما رأيت؟ قال: ورأيتني؟ قلت: نعم. قال: أطعت الله فيما أمرني ونهاني، فأعطاني).ومن هنا ينبغي علينا أن لا نغفل عن الدعاء فهو الوسيلة الكبرى إلى الله تعالى وبه يفرج الله الكروب ويذهب الأمراض ويسفي السقام، فهو القادر على أن يذهب كل شر وكل ضر، فما أعجب ما أورد ابن كثير قال:(ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال هو لي: وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل، فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفا متحيرا وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى:(أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل ـ ٦٢)، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخرَّ صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالمًا) (أورده ابن كثير في: تفسير ابن كثير، ط العلمية 6/ 184)، وأورد في الباب أيضًا: قال وهب بن منبه:(قرأت في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرض بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه) (المرجع السابق 6/185).فما أحوجنا إخوة الإيمان والإسلام في هذه الأيام إلى الدعاء، فلعل الله أن يستجيب لنا الدعاء، ويحقق لنا الرجاء، فما من شيء إلا وهو أعلم به، وما من حدث إلا وهو قاضيه، فاركنوا إلى الدعاء، فهو السبيل إلى الخلاص مما حل بالأمة مما تعلمون.فاللهم استجب دعانا واشفنا واشف مرضانا وأذهب عنا ما نحن فيه من وباء وبلاء، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين .. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بشر فرد كيد عليه ، وانصرنا على أعداء الإسلام يا عزيز يا متعال .. آمين يا رب العالمين.*[email protected]