د/ محمد بن عبدالله الهاشمي:
ذكرنا في الحلقة السابقة ـ ونحن نتكلم عن العوارض المكتسبة ـ ذكرنا عارض الهزل، وسنتناول في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ عارض الإكراه.
.الإكراه في الاصطلاح الفقهي: حمل الغير على أمر يكرهه، ولا يريد مباشرته، لولا الحمل عليه.
والإكراه في القانون: إجبار شخص بغير حق على ما لا يرضاه، بالتهديد بإتلاف نفس أو عضو، أو بإيذاء جسم، أو بالتهديد بما يحس الشرف، أو بإتلاف المال يُعتبر الإكراه من العوارض المكتسبة؛ لأنّ الإنسان لا يقوم به باختياره، ولكن يجير عليه من قبل الغير بتهديد يلحق الفاعل نفسه أو ماله، ولذا قسّمه بعض الفقهاء إلى نوعين:(إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ).النّوع الأوّل: الإكراه الملجئ، وهذا النوع يعدم الرضا ويفسد الاختيار، ويكون بقتل النفس أو إتلاف عضو منها، ولذلك يُسمّى ملجأ؛ لأنه يُلجئ الفاعل ويضطره إلى مباشرة الفعل خوفا من فوات النفس أو عضو منها.
والنوع الثاني: الإكراه غير الملجئ، وهذا النوع يعدم الرضا ولكن لا يفسد الاختيار، ويكون بالضرب والحبس، فهو يعدم الرضا؛ لأنّ الرضا الرغبة في الشيء والارتياح له، وهذا ينافي الاكراه، ولكن لا يفسد الاختيار؛ لعدم الاضطرار إلى فعل الشيء المكره عليه لقدرته على الصبر على ما هُدّد به.
* أثـــر الإكــــراه على الأهليـّــة الإكراه بنوعية المُلجئ وغير المُلجئ لا ينافي الاهليّة سواء كانت أهلية وجوب أو أهلية أداء، ولا يوجب سقوط الخطاب عن الفاعل المكره.
أمّا وجه عدم منافاته لأهلية الوجوب أو الأداء فلأنها ثابتة بالذمة والبلوغ والعقل، والاكراه لا يخل بشيء منها.
وأمّا إنه يسقط الخطاب عن المكره لأنّ فعل موجبه، وما أكره عليه قد يكون اتيانه حرامّا حتى إذا فعله أثم كالقتل والزنا، وقد يكون فرضًا عليه حتى إذا لم يفعله أثم كمشرب الخمر وأكل الميتة، وقد يكون رخصة حتى إنه إذا فعله لم يأثم، وإذا صير ولم يفعله كان مأجورا؛ كالنطق بكلمة الكفر وإتلاف مال الغير، يقول الله عزوجل:(إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، أمّا في وجوب الحد عليه، قيل: إذا أكره المكلـّـف على فعل شيء يوجب على فاعله الحد كالسرقة والزنا وجب عليه الحد، وقيل يسقط عنه الحد لحصول الشبهة بالإكراه، وفي الحديث:(ادرأوا الحدود بالشبهات)، وهذه شبهه فلا يُقام عليه الحد.
أمّا قتل النفس أو إتلاف عضو منها، فلا يحل للمكره الأقدام عليه بحال من الأحوال، لأنّ في هذا الفعل تعلّق حق للعباد، ولا يجوز للإنسان أن يرفع الضرر عن نفسه مقابل إضرار غيره، فإن فعله كان آثما ووجب عليه القود والقصاص.
..
وللحديث بقية.

*قاضي المحكمة العليا
[email protected]