ارتبط مفهوم المواطنة بالوطن ارتباطًا وثيقًا، بل عُدَّ مقياسًا لنجاح الدول واستقرارها وتقدمها وتطورها واستقلالها، فبقدر ما تمتاز به الدولة أي دولة، من تعمق حس المواطنة والشعور بالانتماء بقدر ما أعطاها قوة وحيوية وتأثيرًا، ومكَّنها من تحقيق النجاحات والمكتسبات. فما نشاهده اليوم من تقدم وقوة وتطور للدول إنما كان جوهره المواطنة، حيث جميع من يعيش على أرضها لديه أهداف وطنية يسعى إلى تحقيقها، وله حقوق مثلما عليه واجبات ومسؤوليات تجاه وطنه، وبتحقق هذه المعطيات، بمعنى كفالة الحقوق التي يحصل عليها، واحترامها من قبل الحكومة، وحرصه في المقابل على القيام بما يجب عليه من واجبات ومسؤوليات، تأخذ الدولة شكلًا واضحًا وثابتًا ومسارًا محددًا نحو تحقيق المصلحة العامة التي يدخل في جوهرها المصلحة الخاصة لمواطنيها.
الانتماء والولاء للوطن هما المحك الذي تظهر من خلاله معادن أبنائه الذين لا همَّ لهم سوى مصلحته وتقدمه وتطوره وقوته، وبهذا الانتماء والولاء تتضافر الجهود وتنسجم الأفكار، وتلتقي القلوب قبل العقول والسواعد فيكونون قلبًا واحدًا وساعدًا واحدًا وعقلًا واحدًا.
إن الانتماء والولاء للوطن يأخذان أشكالًا مختلفة وصورًا متعددة لترجمتها، فلا تنحصر مضامينهما فيما يحصل عليه المواطن من حقوق فقط، وإنما يتحققان أيضًا من خلال الالتزام الصارم والتقيد التام بمجموعة الأنظمة والقوانين، وتنفيذ كل ما تضعه الحكومة من تشريعات وخطط واستراتيجيات من أجل البناء والتنمية، وكذلك الإخلاص والتفاني في التعلم واكتساب المهارات والخبرات، والإخلاص والتفاني والأمانة في الوظيفة وفي أداء رسالتها، وأن ينوي كل فرد تولى مسؤولية أو وظيفة أو مهنة أو عملًا حرًّا أو تطوعًا أو عملًا خيريًّا أن يجعلها خالصة لوجه الله، ونيل رضاه واحتساب الأجر والثواب، والسبيل القويمة للكسب المشروع، والإسهام في تقدم وطنه ورُقيه وتطوره، وكذلك الحرص على ممتلكات وطنه، والمال العام، والالتزام بالوقت أثناء أداء المهام الوظيفية، وغير ذلك من الصور التي يتحقق بهما الولاء والانتماء.
وتأتي فعاليات ملتقى التربية على المواطنة الذي نظَّمته وزارة التربية والتعليم واختتم فعالياته على قدر كبير من الأهمية؛ لما تضمنه الملتقى من أوراق عمل دارت حول محورين أساسيين هما: التربية على المواطنة ـ أهداف وأبعاد وتطلعات، وتجارب ومبادرات في التربية على المواطنة، بالإضافة إلى الهدف من تنظيمه ومواكبة المستجدات العالمية في تعزيز قيم المواطنة والقضايا المرتبطة بها، واستجابة لرؤية "عُمان2040" في تحقيق أولوية المواطنة والهوية والتراث، وتحقيقًا لمبادئ وأهداف فلسفة التعليم في السلطنة التي تدعو إلى تنمية قيم المواطنة في نفوس الناشئة، وتبادل الخبرات والتجارب المحلية بين الباحثين والمهتمين، إلى جانب بناء قاعدة بيانات تحوي دراسات وأبحاثًا متعلقة بالتربية على المواطنة.
كما يكتسب الملتقى أهميته من حيث التوصيات التي خرج بها والتي أبرزها: تشكيل فريق وطني من عدة جهات حكومية من وزارة التربية والتعليم لإعداد رؤية مشتركة حول آليات تحقيق أهداف المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار، وإنشاء موقع إلكتروني لتعزيز الهوية وقيم المواطنة لدى أفراد المجتمع في السلطنة، وتضمين مبادئ ومرتكزات المواطنة العالمية في الأنشطة، والبرامج والمبادرات الطلابية، ووضع التربية من أجل المواطنة العالمية في أولويات التعليم المدرسي بالسلطنة، وتدريب المعلمين على تطبيقاتها.
صحيح أن تعزيز مفهوم المواطنة وتعميق قيم الولاء والانتماء لا يقتصر مؤسسة بعينها، وإنما هو يشمل جميع المؤسسات، وفي مقدمتها المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية، إلا أن المواطنة عمل ينبع من الضمير والوجدان وبه يبني كل مواطن وطنه ويذود عن حياضه.