د/ محمد بن عبدالله الهاشمي:ذكرنا في الحلقة السابقة ـ ونحن نتكلم عن العوارض المكتسبة ـ ذكرنا عارض الخطأ، وسنتكلم في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ عارض الهزل..الهزل هو: أن لا يراد باللفظ معناه، لا الحقيقي والمجازي، وهو ضد الجد، والكلام وضع عقلاً لإفادة معناه الحقيقي أو المجازي، والتصرف الشرعي موضوع لإفادة حكمه، فإذا أريد بالكلام غير موضوعه العقلي، وأريد بالتصرف القولي غير موضوعه الشرعي، فهو الهزل، فالهازل يتكلم باختياره، ويباشر العقود والتصرفات عن رضا واختيار، ولكن يريد الحكم المترتب عليه ولا يختاره ولا يرضى بوقوعه.والهازل هو: الذي يتلفظ بالقول ولا يقصد إيقاعه وإنما على سبيل اللهو واللعب، عالما بما يقول غير مريد معناه، ولا ما يترتب عليه من الآثار.* تأثير الهزل على الأهلية:الهزل لا ينافي أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء، ولكن يؤثّر في بعض الأحكام الخاصّة بالهازل:1 ـ يؤثر على عقيدة الإنسان ويخرجه من الإسلام إلى الكفر، فلو تكلم الهازل بكلمة الكفر، أصبح مرتداً عن الإسلام، وإن كان لا يقصد الخروج عن ملة الإسلام لأنّ النّطق بكلمة الكفر هزلاً يُعتبر استخفافا بالإسلام، والاستخفاف بالإسلام كفر، فصار الناطق بكلمة الكفر مرتدا ولو لم يقصده، يقول الله عزوجل:(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ).2 ــ تترتب على الهزل الأحكام الشرعيّة المقررة لها، سواء في عقود البيع والإيجار، أو في الأحوال الشخصيّة كالزواج والطلاق، وذلك عملاً بالإرادة الظاهرة، لا بالقصد الداخلي.أمّا في الأحوال الشخصيّة فيثبت زواج الهازل، ويقع الطلاق منه عند جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك: ـ أ ــ بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(ثلاث جدهنّ جد وهزلهنّ جد، النكاح والطلاق والرجعة).ب ــ بما روي عن أبي الدرداء ــ رضي الله عنه ــ أنّ النّبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من لعب بطلاق أو عتاق لزمه)، وفيه نزل قول الله عزوجل:(وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا).ج ــ إنّ عقد الزواج من أكد العقود وأخطرها، وحرصًا من الشارع على حفظ العلاقة الزوجية وصيانتها من العبث والتلاعب والتحايل على ايقاع الطلاق بدون قصد أمضي طلاق الهازل.د ــ زجر الهازل عن العبث بأحكام الشريعة الإسلامية، واتخاذها هزوا ولعبا، يقول الله عزوجل:(وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا).هـ ـ سد الباب في وجه من يريد الرجوع عن الطلاق بعد إيقاعه، ومحاولة الخروج من تبعاته، بحجة أنّه كان هازلا وليس جادًّا.وذهب بعض الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق الهازل، لعدم قصده الطلاق، فلا طلاق عندهم إلا لمن أراد الطلاق، كما لا طلاق إلا بالنية.أمّا في البيع والإيجار وسائر التصرفات التي تحتمل الفسخ، ذهب بعض الفقهاء: إلى صحة هذا النوع من التصرفات التي تقع من الهازل قياسا على الزواج والطلاق والرجعة، وذهب بعض الفقهاء: إلى بطلان هذه التصرفات، ولا يترتب عليها أيّ أثر، لعدم تحقق الرضا أو القصد الذي تقوم عليه الإرادة، ومن جانب آخر أنّ في النكاح والطلاق حقا لله عزوجل وما كان كذلك لا يجوز لأحد أن يهزل فيه...وللحديث بقية.* قاضي المحكمة العليا[email protected]