نجوى عبداللطيف جناحي:
كنت أتسوق في أحد المحلات التجارية الكبرى، وكعادتي وقفت أمام رف عرض عليه أكياس وعلب من الفطر الطازج، فأسرتي من محبي الأطباق التي تحتوي على الفطر، أخذت أقلب في تلك الأكياس والعلب، لفتت نظري علبة كتب عليها سعر تنافسي كما كتب عليها عبارة: (إنتاج سلطنة عمان)، يا لدهشتي!!! فتلك معلومة جديدة بالنسبة لي أن سلطنة عمان تُصدر هذا النوع الممتاز من الفطر، فتذكرت مشروعا طُرح يوما لتدريب الأسر المنتجة على زراعة الفطر باعتباره سهل الزراعة، وله مردود مادي كبير، وتذكرت صديقتي التي تهوى الزراعة ومحاولاتها في زراعة الفطر، وكيف أنها كانت تبحث عن من يرشدها ويدربها على زراعته، فقلت في نفسي أنبحث عن بيت خبرة في مناطق بعيدة، في حين أن بيت الخبرة هو بيت جارنا؟! فإخوتنا العمانيون خبراء في هذا المجال، فبخبرتهم استطاعوا زيادة إنتاجهم للفطر حتى وصلوا لمستوى التصدير!!! فبدأت أقرأ عن تجربتهم في هذا في زراعة الفطر: فعرفت أن سلطنة عمان تمتلك أكبر مزرعة فطر في الشرق الأوسط، وإنتاجها يغرق أسواق الدول المجاورة، واستوقفتني جهود جبارة تبذل في تطوير زراعة الفطر، حيث يستقطب خبراء لتدريب المختصين ذوي الصلة على بروتوكولات الجمع الميداني وحفظ وتصنيف الفطر «المشروم» البري.
كما استوقفني وجود مركز دراسات وبحوث لتنمية الموارد الحيوانية، وهو مركز عمان للموارد الوراثية الحيوانية والنباتية التابع لمجلس البحث العلمي، والذي قام بدراسة بحثية علمية بعنوان (جمع وتصنيف وحفظ أنواع الفطريات الكبيرة في سلطنة عمان)، وإذ يقوم المركز بدراسة العيِّنات ونشر نتائج الدراسة؛ وذلك لتدريب المختصين والمهتمين في السلطنة في مجال جمع وتصنيف وحفظ الفطر «المشروم».
ووجدت جهودا مميزة من السلطنة لتشجيع الاستثمار في مجال زراعة الفطر، فقد كان أفضل مشروع فائز في القطاع الخاص عن فئة المشاريع الكبيرة لعام 2016م من نصيب "الشركة الخليجية لإنتاج الفطر"، إذ إن المشروع يحقق قيمة مضافة للإنتاج؛ نظرا لأنه يستعمل المواد الأولية المتاحة محليا ويدعم الاقتصاد الوطني، إذ يُصدّر90% من الإنتاج، ويفي بحاجة السوق المحلي من الفطر الطازج ويوزع أرباحا على المساهمين. وتم إنشاء وحدة التخمير في ولاية (ثمريت) بمحافظة ظفار، بهدف الاستغناء عن الاستيراد من هولندا، ومُنحت الشركة شهادة السلامة الغذائية من منظمة إدارة السلامة الغذائية العالمية في ألمانيا. كما تجد حرص العمانيين على تطوير خبرتهم في هذا المجال فينظمون المحاضرات ويتبادلون الخبرات، فها هو مجلس الخنجي ينظم محاضرة عن بُعد يلقيها عبدالله بن ناصر الحضرمي الرئيس التنفيذي للشركة الخليجية لإنتاج الفطر، حول أهمية الاستثمار الزراعي وفوائد الفطر العماني الذي يزرع ويقطف بأيدٍ عمانية، ويتم بيعه محليا وتصديره لشرق آسيا. والحقيقة أن سلطنة عمان استطاعت أن تضع نفسها على خريطة العالم لزراعة الفطر بأنواعه المتعددة، والجميل في هذه التجربة أنها صيغت بأيدي شباب عمانيين، فكل هذه الجهود في إجراء البحوث وتدريب الكوادر نتج عنها خبراء عمانيون مختصون في زراعة الفطر، فكم نتمنى أن تصدر هذه الخبرة لخارج عمان، فيقوم هؤلاء الخبراء بمساعدة الدول لبدء تجربة زراعة الفطر ووضع الخطط لهم، وتقديم دراسات الجدوى، ووضع الخطط التشغيلية، والإشراف على تنفيذها، وتدريب الكوادر الواعدة في هذا المجال، لعمري إن بيع الخبرة ونقلها لهي استثمار يفوق أرباحه بيع السلعة نفسها، والأهم من ذلك التوسع في الصناعات الغذائية والذي يكون الفطر فيه هو المادة الأولية فيها، والترويج لهذه السلع، وتشجيع المطاعم على صناعة أطباق تعتمد في مكوناتها على الفطر، لا سيما وأن الفطر يحتوي على مواد غذائية مهمة فهو غني بالبروتينات، وخالٍ من الدهون، وهو مادة مقاومة لمرض السرطان؛ كونه يحتوي على مضادات أكسدة قوية، وباعتباره مصدرا لعنصر السيلينيوم، فهو يلعب دورا كبيرا في تعزيز المناعة، ومصدر غني للبوتاسيوم المهم جدا في الحفاظ على اتزان السوائل في الجسم وضبط مستويات ضغط الدم في الجسم. كما وعلينا أن لا ننسى كون الفطر مصدرا للألياف الغذائية وفقيرا بالصوديوم يجعله غذاء مناسبا لمرضى ضغط الدم.
ولكن من المفارقات التي استوقفتني وأنا أطلع على وسائل التواصل الاجتماعي أن الكثير من العمانيين لا يرغبون في تناول الفطر، مع أن سلطنة عمان تنتجه بشكل كبير، وحيث إن الفطر له فوائد صحية كبيرة، ويكثر إنتاجه في عمان، فمن المفيد أن تُشجع الناس على تناوله، عن طريق تشجيع المطاعم وربات البيوت على تقديم الأطباق التي تعتمد على الفطر في مكوناتها، وتشجيع الأطفال على تناوله لا سيما في وجبات المدارس الخفيفة، فتلك رسالة نقدمها إلى كل من يطبخ، سواء في المطاعم أو الفنادق أو المنازل، أبدعوا في طهي الفطر، وروجوا له بشكل صحيح وانشروا صور أطباق الأطعمة التي يدخل الفطر في مكوناتها بشكل مغرٍ لتحببوا الناس في تناوله. وأخيرا فإن تصدير هذا المنتج الزراعي المميز ومنافسة السوق العالمية فيه تعد قصة نجاح تستحق أن تكتب وتنقل للأجيال... ودمتم أبناء قومي سالمين.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected]
تويتر: @Najwa.janahi