د/ محمد بن عبدالله الهاشمي:العوارض المكتسبة هي: ما كان للإنسان فيها كسب واختيار، أي تقع بإرادة الإنسان واختياره، وهي على قسمين، الأوّل: ما تقع بإرادة الإنسان نفسه دون تدخل من أحد مثل السكر والجهل والهزل، والثاني: ما تكون من الغير مثل الإكراه.وسنبين العوارض المكتسبة بشيء من التفصيل وفقًا للآتي: الجهل في اصطلاح أهل الكلام: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وهو إمّا أن يكون بسيطًا أو مركبًا، فالجهل البسيط: عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالمًا، والجهل المركب: عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع.والجهل في اصطلاح الفقهاء، صفة تضاد العلم عند احتماله وتصّوره، واحترز به عن الأشياء التي لا علم لها، فإنها لا توصف بالجهل لعدم تصور العلم فيها.والجهل ضد العلم، والجهل لا ينافي الأهلية، وإنما يكون عذراً في بعض الأحوال، ولذا يمكن تقسيم الجهل إلى أربعة أنواع، الأوّل: جهل باطل بلا شبهة، لا يمكن أن يعذر صاحبه، مثل جهل الكافر بالله تعالى ووحدانيته وصفاته، وبرسالة النّبي (صلى الله عليه وسلم) فإنّ هذا يكون جحود ومكابرة وترفّع عن الانقياد والتمسك بالحق بعد وضوح الدليل يقول الله عزوجل:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، والثاني: جهل باطل لا يصلح عذراً في الآخرة، وهو الجهل السابق، مثل: جهل المسلم بالأحكام العامّة الواضحة التي لا رخصة فيها لأحد لثبوتها بالكتاب والسنَّة المتواترة أو انعقد فيها الإجماع، كالجهل بالأركان الخمسة (الشهادة الصلاة والزكاة والصوم والحج)، وقتل النفس بغير حق، وكالجهل بتحريم الزنا والخمر .. وغير ذلك، ولا يستثنى من ذلك الذمي، فلا يُعذر بالجهل بما يُطبّق عليه من أحكام الإسلام، لأنه مقيم في دار الإسلام والعلم في دار الإسلام مفترض في الجميعـ والثالث: جهل يصلح شبهة، كالجهل في وضع الاجتهاد الصحيح الذي يخالف الكتاب العزيز والسنة المطهرة والإجماع، فعلى سبيل المثال: من قُتِل وله وليان، فعفا أحدهما عن القصاص، ثمّ قتله الثاني ظناً منه أنّ القصاص باق له على الكمال، أي لكلّ واحد منها قصاص كامل، فإنه لا قصاص عليه، لأنّ جهله حصل في موضوع الاجتهاد وفي حكم يسقط بالشبهة، ومثال ذلك: النكاح بلا شهود اكتفاء بالإعلان ، فالشهود شرط لصحة النكاح ، لقول النّبي (صلى الله عليه وسلم):(لا نكاح إلا بشهود)، لكن من نكح امرأة بلا شهود مكتفيًا بإعلان النكاح وإشهاره فإنه لا يُؤاخذ على جهله ويكون نكاحه صحيحًا، لما روي أنّ النّبي (صلى الله عليه وسلم):(أعتق صفية بنت حي بن أخطب وتزوّجها بغير شهود على العقد، ولكن أعلن ذلك وأشهره)، وأيضًا يُعتبر الجهل بالوقائع عذرًا مقبولاً، من تزوّج امرأة جاهلاً أنها أخته من الرضاعة، ومثل ذلك: من شرب عصير العنب جاهلًا تخمره، فإنّ الجريمة تنتفي في الحالتين لجهل فاعلهما ولا عقاب عليه، والرابع: جهل يصلح عذرًا، وذلك كالجهل في دار الحرب فجهله بالأحكام يكون عذرًا منه، فالقاعدة أنّ العلم فيها لا يُفترض إذ هي ليست دار علم بالأحكام الشرعيّة، بل دار جهل بها، وعلى هذا إذا أسلم شخص ولم يعلم حقيقة وجوب العبادات عليه كالصلاة .. وغيرها من العبادات فلم يؤدّها، فإنه لا تلزمه قضاء إذا علمها، لأنّ الخطاب خفي عليه فيصير الجهل به عذرًا... وللحديث بقية.* قاضي المحكمة العليا[email protected]