د.جمال عبدالعزيز أحمد:
.. ثم تأتي الآية الأخيرة:(ولم يكن له كفوا أحد)، وهي جملة اسمية منسوخة بالفعل الناقص: (كان)، فهي جملة تقدمها جازم تتطلب مجزومًا ترابطت معه، وأثر في فعلها الجزم (لم يكن)، وهو نفسه كفعل ناسخ تطلب تلازما بين اسمه (أحد)، وخبره(كفوًا)، ثم جاء شبه الجملة:(له) متعلقًا بالفعل (يكن)، أو في محل نصب حال، والحال مرتبكة تلازميًّا بعاملها، لا تنفك عنه، ولا مفر لها من الترابط به، والكفو الشبيه والمماثل والمضاهي، فالله تعالى لا مثيل له، ولا شبيه، ولا مضاه، ولا محاك ـ حاشاه جل في علاه ـ وتقدمت الحال لتبين قصر تلك الصفة عليه دون سواه على سبيل القصر الحقيقي لا القصر الإضافي، وتنكير (كفوًا)، و(أحد) لنفي الشبيه نفيًا قاطعًا مطلقًا، ونفي الأحدية عمن سواه، ففيها توحيد خالص، واعتقاد تام، وجزم كامل بصفة الله تعالى في عدم الشبيه، ولا المثيل، فأضفت الآية الأخيرة الوصف الأخير من الأوصاف الخمسة التي تضمنتها السورة الكريمة التي وضعت التوحيد الخالص لله، واشتملت على أخص خصائصه ـ جل جلاله ـ وهي في النهاية جملة اسمية إن قرأناها بهذا المعنى:(هو الله ـ هو الله أحد ـ الله أحد ـ الله الصمد ـ الله لم يلد ـ الله لم يولد ـ الله لم يكن له كفوا أحد)، لماذا؟ لأن أصل الجملة الاسمية موضوعة في أصلها لإفادة الثبات والدوام والسرمدية والأزلية، فتلك الأوصاف خالصة لله على طول الزمان: دنيا، وآخرة، لا يجوز لأحد أن يذهب في تأويلها غير ما وضع لها، فنحن نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، لا نؤول، ولا نمثل، ولا نعطل، ولا نشبِّه، بل نؤمن بجميع أسماء الله، وصفاته في إطار:(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، كما أن كل الجمل في السورة مرتبطة بالفعل الذي بدأت به السورة الكريمة لأنها كلها مقول القول، ولا يجوز الوقف على القول دون المقول، وقد كان هناك عطف بيان أيْ: عطف دون وجود عاطف، كأنه قال:(هو الله أحد، وهو الله الصمد، وهو لم يلد ولم يولد وهو لم يكن له كفوا أحد)، ولكنها أفردها لتكون كل صفة منها خالصة، مخلصة، تستحق أن تتأمل، وتعايش، وتفهم لأن كل واحدة منها نعمة النعم، وكمال الكمال، وتمام التمام غير أن القاعدة في الوقف والابتداء تنص على أن المقول يرتبط بالقول، ويتبعه، وتأتي السنة المطهرة، لتبين أن الوقوف على رؤوس الآي من السنة، فلا تعارض بين المواصلة في التلاوة على اعتبار قاعدة أهل الوقف، والابتداء، ولا الحديث الشريف، وقد تخلل السورة الكريمة الضمير البارز، والضمير المستتر، والجملة الاسمية، والجملة الفعلية، والإثبات، والنفي، والأمر، والمضارع، والتنكير، والتعريف، والمنون وغير المنون، والمرفوع، والمنصوب، والمجرور في (له) أيْ الذي في محل جر؛ لكونه ضميرا والمجزوم، أيْ كل الحالات الإعرابية الأربع، والجمل غير المنسوخة والمنسوخة، والتقديم والتأخير، وقد رأينا كيف قرئت كلها في نفس واحد لارتباطها تلازميًا، وعضويًا ببعضها، فكلها مقول قول للفعل:(قل)، وكلها مترابط حيث هي جمل اسمية متتابعة، وأخبار لمبتدآت، وأسماء، وأخبار لنواسخ تتطلب تلازمها، ومجزومات لجوازم تنجذب إليها، فالناظر إلى السورة الكريمة على قلة عدد كلماتها وسرعة انتهائها يرى فيهلا العجب من وجهة نظر نحوية، ومن جهة نظر أهل الوقف والابتداء، ومن أهل المعاني، والتفسير، ومن أهل التوحيد حيث تضمنت كل ألوان التوحيد في أسماء الله، وصفاته، فاشتملت على اسم الله الأعظم، والاسم الذي يحتاج إليه جميع الخلق، وهو الصمد، بخلاف الصفات الأخرى التي أعطتنا صورة متكاملة عن طبيعة الذات الإلهية، وصفاتها، فملأت القلب توحيدًا لله وتقديسًا لعظمته، وخشوعًا لكماله، وجلاله؛ ومن ثم فلا عجب أن تقرأ ما ورد عنها في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(قال البخاري في كتاب الصلاة، وقال عبيد الله، عن ثابت عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ(قل هو الله أحد)حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى.فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمَّكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبروه الخبر، فقال:(يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة)؟ قال: إني أحبها. قال:(حبك إياها أدخلك الجنة)،هكذا رواه البخاري تعليقًا،وقال البخاري جازمًا في كونها تعدل ثلث القرآن:(حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلا يقرأ:(قل هو الله أحد) يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(الذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)، وفي البخاري كذلك:حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه:(أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فشق ذلك عليهم،وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟. فقال:الله الواحد الصمد ثلث القرآن)، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
[email protected]