[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedbinsaidalftisy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد بن سعيد الفطيسي[/author]

تتعرض معظم الحكومات عند إصدار العديد من القرارات والتعاميم التي تتعارض مع مصالح بعض الأفراد( 2) أو المؤسسات( 3) إلى ضغط شديد من قبل بعض شرائح الرأي العام، وعندما نقول إن تلك القرارات تتعارض مع المصالح الفردية والمؤسسية لبعض الأفراد والمؤسسات, فتلك المعارضة لا تعني أن ذلك القرار قرار غير صائب بسبب ذلك النقد، كما أن صدور ذلك القرار من قبل جهة أو مؤسسة حكومية لا يعني كذلك أنه قرار صحيح بالمطلق، وبالتالي يجب قبوله كما هو من قبل المجتمع أو الرأي العام ودون نقد.
فمعرفة صحة القرار من عدمه يحتاج إلى وقت ودراسة لاحقة لصدوره تستوضح الآثار والنتائج والانعكاسات الإيجابية والسلبية التي خلفها القرار على مختلف أطراف البناء الوطني بغض النظر عن الدراسات التي يفترض أنها تمت قبل إصداره لتلافي تلك الآثار والنتائج، وهو ما يدخل في مسألة غاية في الأهمية حول مسألة الإدارة العامة وإصلاح الحكم.
أقصد بذلك المسؤولية عن مدى جودة أعمال الحكومة ومن بينها بكل تأكيد قراراتها وتعاميمها، خصوصا أن بعض تلك القرارات وللأسف الشديد لا تخضع لجهد مؤسسي أو تتعامل مع إصدار القرارات وفق معطيات احترافية تأخذ في اعتبارها الأسس والمعايير والضوابط المهنية، في ظل تداخل المصالح الفردية والمصالح العامة عند إصدار تشريع خصوصا من قبل السلطة التنفيذية.
إذًا من الطبيعي أن تجد بعض القرارات والتعاميم الحكومية معارضة وعدم قبول من قبل المجتمع أو الرأي العام، وهو أمر صحي بلا شك مهما نتج عن ذلك القرار أو التعميم من ضغوط على المؤسسة التي أصدرته أو نتج عنه تأثير على سمعتها أو ثقة المجتمع بها أو حتى انعكاس على الدائرة الأوسع للدولة والنظام السياسي، أي النظام العام والأمن والاستقرار الوطني.
وهنا نسأل: لماذا هذا الأمر صحي ويجب أن تتقبله الحكومة مهما تسبب لها ببعض (وجع الرأس والصداع كما يقال) أو نتج عنه صناعة مزيد من السخط والامتعاض على مؤسسات الدولة؟
ونجيب: إن تقبل الحكومة بوجه عام والمؤسسة التي أصدرت القرار على وجه الخصوص لهذا الشكل من النقد والمعارضة المجتمعية الصحية لا يعني الضعف أو الرضوخ الأعمى للضغوط المجتمعية، كما أنه لا يجب أن يؤدي إلى عناد مؤسسي مقابل( 4)، بل يجب أن يدفع باتجاه المزيد من المهنية والمنهجية العلمية والاحترافية الإدارية عند إصدار القرارات والتعاميم الحكومية اللاحقة، كما أنه يمكن أن يعيد النظر في ذات القرار محل النقد والامتعاض، الأمر الذي يمكن أن يؤدي كذلك باتجاه تعديله وتأهيله، أو حتى إلغاء ذلك القرار بشكل كامل.
يضاف إلى ذلك سيدفع من جهة أخرى إلى مزيد من الهدوء والتريث والاتزان والبحث عند إصدار بقية القرارات والتعاميم، خصوصا تلك التي تلامس بعض المناطق الحساسة في الذهنية المجتمعية والرأي العام الوطني، صحيح أن هذا الأمر وكما سبق الإشارة إليه لا يعني أن ذلك القرار غير صائب بالمجمل، ففي العادة ولا نقول دائما( 5) ما تكون معارضة الرأي العام والمجتمع للقرارات ناتجة عن اندفاعات عاطفية ومصالح شخصية أو فئوية قد تضر بمصالح أشمل وأعم وأسمى للدولة وحتى للفئة الأكبر من المجتمع في بعض الأوقات.
ولكن وهو ما يجب أن يوضع نصب أعين جميع المسؤولين في أي دولة، أن قراراتهم وتوجهاتهم وسياساتهم في الأصل موجهة لخدمة الصالح العام، وأن أعمال الحكومة في جزء كبير منها تقوم على رعاية مصالح المجتمع وخدمته، وبالتالي فإن واحدا من أهم وأبرز معايير تحقيق المصلحة من ذلك القرار ترتكز على رضا الرأي العام، مع التأكيد على أن مسألة رضا الجماهير أو الرأي العام تخضع في الغالب إلى اتجاهات واندفاعات عاطفية وفردية، وهنا يأتي الدور الرسمي في الموازنة وضبط تلك المصالح ما بين مصالح المجتمع ومصالح الحكومة التي قد تتعارض في بعض الأحيان، وهو أمر وارد في جميع دول العالم بلا استثناء.
ولا ننسى أن التحولات الحاصلة على المستوى التكنولوجي والثورة المعلوماتية وتطور وسائل الاتصال والتواصل الافتراضي مكن الأفراد( 6) خصوصا الطبقات الفقيرة من نيل حقها في إبداء الرأي والتعبير، كما سهل عليهم الحصول على أدوات ووسائل قوة قادرة على صناعة نوع من التوازن بين قوة الحكومة الإعلامية وإعلام المجتمع أو الرأي العام البسيط في الجانب الآخر، وهو ما رفع من مستوى قوة الرأي العام عما كان عليه قبل الثورة التكنولوجية.
يضاف إلى ذلك وهي نقطة مهمة للغاية، أن قرارات الحكومة الداخلية أو الوطنية، لم تعد قرارات مستقلة بشكل كامل كما يروج لها، وهذا أمر واضح ولا يحتاج إلى مزيد من الجهد لفهمه واستيعابه، خصوصا عندما نعلم أن جميع دول العالم ترتبط بمؤسسات واتفاقيات ومعاهدات دولية مختلفة، الأمر الذي يحتم عليها ضرورة مواءمة قراراتها الداخلية مع تلك الارتباطات القانونية الدولية، كما هو الحال على سبيل المثال في الاتفاقيات التجارية وتلك المتعلقة بحقوق الإنسان.
إذًا بالفعل أصبحت الحكومات المعاصرة اليوم تواجه سيلا من الضغوط المجتمعية الناتجة عن تحول بعض وسائل وأدوات القوة الناعمة إلى يد الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني، هذا بالإضافة إلى حدوث ذلك التحول الأشمل في الأفكار والمصالح وأساليب العمل الإعلامي المعارض للحكومة من قبل العديد من الفئات داخل الدولة نفسها، خصوصا الفئات السياسية والاقتصادية والدينية أو (القبلية أو الحزبية)، وكذلك نتيجة الضغوط التي تمارس عليها من الخارج، أو نتيجة تلك الالتزامات القانونية الدولية، الأمر الذي نتج عنه اتساع دائرة التأثير على القرارات الحكومية، خصوصا تلك التي تتداخل مع مصالح الأفراد والفئات ذات القوة في داخل الدولة وخارجها.
ـــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ - لا تقتصر المعارضة أو الضغط في مثل هذه الحالات على المواطن العادي أو المتضرر المباشر من القرار أو التعميم أو التوجه الحكومي، بل يمتد الأمر إلى شبكة واسعة وعميقة من المتضررين والمتداخلين (أفراد عاديين مواطنين ووافدين، مسؤولين في الدولة، اللوبي التجاري ..الخ).
2 ـ - لا يقتصر التدخل المؤسسي المعارض للقرار من قبل مؤسسات القطاع الخاص، بل من المعروف أن بعض القرارات الحكومية تجد معارضة من مؤسسات الدولة نفسها في بعض الأوقات، سواء كانت تلك المؤسسات مدنية أو أمنية أو حتى عسكرية، خصوصا عند تعارضها لمصالح بعض المؤسسات نتيجة عدم التنسيق بين تلك المؤسسات أو بسبب انعكاسات وضغوط تلك القرارات على أعمالها، ولعل في بعض الأوقات وهي مسألة في غاية الخطورة تبرز محاولات إفشال القرار من قبل أفراد داخل المؤسسة نفسها التي أصدرت القرار.
3 ـ - من المؤسف أن بعض الجهات الرسمية أو القائمين على إدارتها ينظرون إلى معارضة الرأي العام على أساس أنها تحدٍّ أو امتهان شخصي أو مؤسسي أو محاولة لإظهار تلك المؤسسة بأنها مؤسسة ضعيفة أمام القيادة العليا مما يدفع بعض المسؤولين غير المهنيين أو المحترفين إلى تصرفات مقابلة قد تؤدي إلى ما يطلق عليه بالعناد الإداري، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من السخط والامتعاض، خصوصا أن الكثير من المسؤولين في الدولة ليس لديهم اهتمام بمسألة التواصل والاتصال مع الرأي العام لتوضيح وجهات نظرهم حول تلك القرارات.
4 ـ - لا يعني أن الاندفاعات الجماهيرية والعواطف الصادرة عن الرأي العام دائما ما تكون خاطئة أو سلبية، فعلى العكس ففي كثير من الأوقات يكون لها دور مهم في الدفع بالحكومة إلى تقويم بعض القرارات وتصويبها، كما أنها كذلك تصنع نوعا من التوازن في مواجهة ضغوط اللوبي أو التيارات الفئوية القوية في الدولة، أو أطراف التأثير في القطاع العام (جماعات الضغط). راجع في هذا السياق دراسة لي تحت عنوان: تضخم التيارات الفئوية وآثرها على النظام السياسي والأمن الوطني الاستراتيجي، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، جامعة بابل/العراق، ع (37)/2018م.
5 ـ - قضت التكنولوجيا القائمة على الكم (الرخيصة) إلى حد بعيد على الفواصل الاقتصادية والفوارق الاجتماعية في ما يخص جانب التمكين المادي، حيث نالت الطبقة الفقيرة فرصتها في ممارسة حقها في التواصل والتأثير على صناعة القرارات الرسمية نظرا لقدرتها على الحصول على الأدوات والوسائل الخاصة بذلك بأسعار مناسبة لها، كالهاتف الجوال والذي مكنها من تحميل العديد من البرامج المجانية كالواتساب وتويتر وغير ذلك.